تلك كانت شخصية فقيدنا العزيز التي تبلورت من خلال تنشئة أسرته له وتنشئته هو لأسرته . وإن شعور الرضي والامتنان والوفاء والعرفان بالجميل الذي أورثته هاتان التنشئتان الصالحتان لينعكس إسقاطًا منه على كل من كان لهم دور بعد ذلك في حياته وكأنما لم يكن هو قد تشرب في جوانحه مشاعر الوفاء والعرفان تلك . فهو في تقديم نفسه لزملاء المجمع ، يذكر بالفضل والامتنان أساتذته الذين أوصلوه إلى هذا المكان ، ويكاد يخلع عليهم المزايا التي لا شك أن استعداده هو الفطري قد أهله لاكتسابها عنهم - وإلا فقد درس على نفس هؤلاء الأساتذة الكثيرون من أترابه قبله وبعده فلم يكتسبوها ، وربما تمرد بعضهم عليها - خصوصًا بعد أن كبر أحدهم فزامل أستاذه وصار ندا ويطمح في خلافته: فمصطفى عامر بتفكيره المرتب الدقيق ، محمد عوض محمد بأدبه الرفيع وتجواله الفكري الواسع ، محمد متولي بحرفيته الشديدة وتدقيقه الأشد ؛ بل والتر فتزجيرالد الذي أخذه بالشدة والصرامة في بعثته بإنجلترا مثلما كان يفعل به محمد عوض في مصر … وإنه ليكيل المدح والثناء بكل أدب النفس الرباني وتواضع رجل العلم الحقيقي - حتى بعد أن