وهو - في هذا الإطار - يحدد للنحو دورًا واضحًا في حياتنا المعاصرة- يتجاوز التخطئة والتصويب اللذيْن لا يعبأ بهما كثيرون - بسلوك سبيلين كلاهما نافع للعربية، وكلاهما يُكسبُ النحو حياةً وفاعلية.
أولهما: أن يتجه النحو إلى العربية المعاصرة في نصوصها الفصيحة، فيجمعَ تراكيبها ويصنف أنماطها ويُقدم وصفًا دقيقًا لها. فما كان خارجا عن الأصل القديم وليس له منه نظير، وهو مع ذلك مُتعارَف غير منكور وذو دلالة، وليس له في قواعد النحو ما يصفه، كان لابد من تقديم وصف نحوي مناسب له مُعينٍ على فهمه وتفسيره.
والآخر: أن يعمد النحويون المعاصرون إلى النصوص العربية قديمها وحديثها - كما فعل الأسلاف العظماء مع القرآن الكريم والشعر - فيحاولوا الكشف عن دور النحو في بنائها، وبيان ما تقوم به المعطيات النحوية في تركيبها وترابط أجزائها واستواء هيئتها، وما تقدمه في إنتاج دلالتها، وقيمة هذا الدور في تحديد الدلالة. بذلك يرتبط النحو في الأذهان، خاصة أذهانَ الناشئة - بجانب عملي مفيد من جانب، وبالدلالة من جانب آخر.
تتجلى أهمية هذا الكلام، وجِدَته وخطورته، عندما نتأمل كثيرًا من الكتابات النقدية لنقاد لا يملكون حسًّا لغويًّا أو قدرة على تحليل النصوص الأدبية تحليلًا لغويًّا. يتحدثون عن هوامش النص ودلالاته الخارجية والمؤثرات الاجتماعية والسياسية والتاريخية والنفسية فيه. ثم تنقطع أنفاسهم دون أن تكون لديهم القدرة على الاقتراب من البنية اللغوية للنص، وهي هدف النقد الأساسي وجوهره.