ومهما يكن الأمر، فقد نجح الراجحي وفاق غيره من اللغويين المعاصرين في أمور مهمة ذات شأن، التبست على بعض الدارسين. من أهمها: (1) التأكيد على سلامة منهج البحث اللغوي عند الأسلاف وبخاصة المتقدمون منهم، من أمثال الخليل وسيبويه. وأزاح عنه تهمةَ القصور فيه، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من إلقاء الضوء على أبعاده التي تحتاج من ذوي الاختصاص إلى تعميق النظر فيه واستيعابِ طبيعته، بدلًا من التعجّل في إصدار الأحكام غير العادلة. (2) ثبت لديه بوضوح أن هذا المنهج ليس بدعًا ولا صُنعًا مزيّفًا، وإنما هو منهج صالح متقبّل، لوفائه بطبيعة اللغة وطبيعة صاحبها أيضًا، كما قرر ذلك أهل النظر من اللغويين المحدثين، كما أشرنا إلى ذلك قبلًا، وهكذا التقى القبيلان: القديمُ والحديث.
وفي هذا الذي نقول ما يُسلمنا فورًا إلى مزيد بيان عن جهوده المتواصلة في خدمة اللغة العربية ووصْل ماضيها بحاضرها، وهذا جُلّ ما يأمُله المخلصون، كما يتبين لنا ذلك بوضوح، بذكر شيء عما شغل به نفسَه للوصول إلى هذا الهدف.
الميدان الثاني:
هذا هو الميدان الذي يؤكد المسيرة المتواصلة من العمل العلمي الناشرِ مظلتَه من قديم إلى حديث، ومن درس نظري إلى آخر تطبيقي. شغل الدكتور الراجحي نفسه منذ وقت غير قصير بقضية ذات أهمية بالغةٍ في دنيا العرب والعربية. ذلك أنه انصرف منذ عقود من الزمن إلى قضية العمل على نشر اللغة العربية وتوسيع مجالات الوصل والاتصال بها في العالم شرقه وغربه على سواء. تلك هي قضية تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها التي يُحسب الدكتور الراجحي من أوائل اللغويين الجامعيين الذين أدركوا- بصدق- أن هذه اللغةَ لا ينبغي حبسُها في دارها،إذ هي لغةٌ ذاتُ قرار مكين تزيد من ثقافات الآخرين وتضيف إليهم آفاقًا جديدة من المعرفة،التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان،مهما بعُدت الديار ونأى المكان.