فهرس الكتاب

الصفحة 4221 من 4462

وليست تلكم الاستعمالاتُ المتقدِّمُ بيانُها، والآتيةُ من مادّة"صعق"بمتجافيةٍ عن الاستعمالاتِ الآتية من مادّةِ"زعق"، فالزَّعق "الصيّاح، والزّاعق: الذي يسوقُ ويصيح بدوابّه صياحًا شديدًا، ويقال: مرّ يزعق بدوابّه: أي يطردُها مسرعًا ويصيح في آثارها، وزَعْقة المؤذّن: صوته، والزّعِق والمزعوق: النّشيط الذي يفزع من كلّ شيء (26) ، وليس أدلّ على هذا التّداخلِ بين معاني هاتين المادّتين من المعنى القُطْبِ الذي ينتظمُ كلّ مادّة عند ابنِ فارس، فقد قال في مادّة"زعق": "الرّاء والعين والقاف أصلٌ يدلّ على شدّة في صياح أو مرارة أو ملوحة" (27) ، وفي مادّة"صعق"قال: "الصّاد والعين والقاف أصلٌ واحد يدلّ على صَلْقَة وشدّة صوت" (28) ، وليس يخفى أنّ المعنيين العريضين اللّذين ينتظمان هاتين المادّتين إنّما هما واحدٌ لا ريب، ولكنْ، ثم افتراقٌ دِلالّي؛ إذْ إنّه يقال: ماء زُعاق: مرٌّ غليظ لا يُطاق شربُه من أُجوجته، وطعام زُعاق: كثيرُ الملح" (29) ، ولكنّ هذا الافتراقَ لا ينفي الاتّفاقَ البتّة، بل الأخيرُ أعلى وأظهر، ولعلّ باعثَ تردّد المادّتين بين الزّاي والصّاد، وكلاهما رخوٌ صفيريّ لثويّ، هو العين؛ إذْ إنّ العين مجهور، ولعلّ هذا يرجّح - ولا أقول يجزم - أنْ يكونَ الأصل"صعق"، ثم قُلبت الصّاد زايًا وفاءً بقواعدِ المماثلة، فالعينُ مجهور، والصّاد مهموسٌ، فحلّ محلّه ما هو قريبٌ منه في المخرج والرّخاوة، فكان الزّاي، لأنّه مجهورٌ كالعين، وفي عاميّتنا نجد أمثلةً من مِثل هذا المتقدِّم، فنحن نقول في"صعتر"- وهو النّباتُ المعروف -"زعتر"ذاهبين بالكلمة نحو الزّاي، وقد وردتْ في المعجمِ العربيّ بالسّين والصّاد:"سعتر"، و"صعتر" (30) ، ولكنّ جهرَ العين هو الذي أفضى إلى نطقِها بالزّاي في عاميّتنا، بل إنّ نطقَها بالزّاي في إِلْفنا العاميّ مّما انعقدَ عليه الإجماعُ اليومَ، فغدا مّما استحكم وشاع، وكنتُ قد سألتُ طالبًا من أبناء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت