فهرس الكتاب
مثال مُبينٌ عن فعلِ المماثلةِ الصّوتيَّة في نموّ المعجمِ العربيّ، فقد ذهب ابنُ منظور في مُفتتحِ حديثه عن مادّة"عزد"إلى أنّ تداخلًا بين العزْد والعصْد قد وقع، أمّا ما ورد تحت مادّة"عسد"من معانٍ فمفاده إحكامُ الفتل، فنقول: عَسَد الحبلَ عَسْدًا: أحكم فتلَه، وفي مادّة"عصد"أشار إلى أنّ العصْدَ هو اللّيّ، فنقول: عَصَد الشيءَ فهو معصود وعَصيد، وعَصَد البعير عنقَه: لواه، وكذلك الرّجُل، وعصد السهمُ: التوى في مرٍّ ولم يقصد الهدف، والعَصْد والعزْد: النّكاح والجماع، وعصَد الرجلُ المرأة وعزَدها نكحها (33) ، ولعلّ المعنى الجامعَ الذي ينتظمُ هذه الموادّ الّثلاث هو اللّيّ، ومن هنا جاء: عصَد البعيرُ رأسَه، وعسَدَ الحبلَ إذا أحكم فتله، وفي إحكامهِ ليّ وتوثيقٌ، وكذلك الحال في مادّة"عزد"، وقد جمع ابنُ السِّيدِ هذه الكلماتِ الثّلاثَ معًا في جَعبةٍ واحدة ذاهبًا بها إلى أنّ معناها واحد (34) . أمّا عن باعث اجتماعِ هذه الموادّ على معانٍ واحدة فمردّه إلى المماثلةِ من غير جهة: جهة التّفخيم، وجهة الجهر، ولذا تكوَّن في المعجم العربيّ ثلاثُ موادّ تفيء إلى أرومةٍ واحدة، ولكلّ واحدة صِبغة صوتيّة تميّزها عن الأخرى، وأوّلها: المفخَّمة"عصد"، وثانيها: المرقَّقة"عسد"، وثالثها: المجهورة"عزد". أمّا التّرقيق فلعلّه آتٍ من مجاورة الصّاد للعين والدّال المرقَّقين، وقدْ يكون الأصلُ التّرقيقَ ففُخّمت السّين على ألسنةِ بعض العرب فغدتْ صادًا، فصار لدينا"عصد"؛ إذْ إنّ السّين والصّادَ شقيقتان لا فرقَ بينهما إلاّ في ملمح صوتي واحدٍ مميِّز، وهو التّفخيم، فكلا الصّوتين مهموسٌ ورخو وأسنانيّ لثويّ، أمّا الزّاي فقد جاءتْ بأثرٍ من الدّال، وهي - أعني الدّال - مجهورة، والسّين مهموسةٌ، فاكتسبتْ السّين ملمحَ الجهر من الدّال، فأَذِنَ هذا بصيرورتِها زايًا، والحقّ أنّ القدماء التفتوا بكثيرٍ من لطفِ النّظرِ والرّويّة إلى هذا