فهرس الكتاب
وبين هاتين المادّتين تداخلٌ لا يخفى على ذي تأمّل، وجماع معناهما: الطّعن، وخرَق السهمُ: إذا أصاب الرّميّة ونفذَ فيها، وسهم خازق: مقرطِسٌ نافذ (39) . أمّا مادّة"خسق"فعنها قال ابن منظورٍ:"إنّ الخاسق من السّهام هو المقرطِس، وخسق لم ينفذْ نفاذًا شديدًا" (40) ، وقد التفتَ إلى هذا التّداخلِ بين هاتين المادّتين، فقال ابن منظورٍ:"وهو لغة في الخازق" (41) ، و"خَزَق السهمُ وخَسَق بمعنى واحد… والسّهم إذا قرطس فقد خَسَق وخَزَق، وسهم خازقٌ وخاسق" (42) . والظّاهر، بلا ريب أنّ هاتين المادّتين إنّما تعودان إلى أصلٍ واحد؛ ذلك أنّ المعنى المُثْبَت تحت مادّة"خزق"هو المعنى المُثْبَت تحتَ مادّة"خسق"، وينضافُ إلى هذا المتقدّمِ إشارةُ ابن منظورٍ إشارةً قطعيّة الدّلالةِ والثّبوت إلى أنهما لغتان، وينبني على هذه الإشارةِ إشارةٌ إلى تضخّم المعجم العربيّ ونموّه أولًا، وإلى اشتماله على موادّ يمكن جدًّا أنْ تُرَدَّ إلى أخرى ثانيًا، وإلى أثر اللَّهَجاتِ العربيّة التي كان لها سُهْمَةٌ في ذلك ثالثًا، وإلى دور المماثلة الصّوتيّة في شيوع هذه اللّهجاتِ رابعًا، فمخرج"الخاء"لهويّ، ويليه"السّين"في"خسق"، وهي أسنانّية لثويّة، والقاف طَبقيّة، ومعلومٌ أنّ انتقالَ طرفِ اللّسانِ من الصّوت اللّهويّ"الخاء"إلى الأسنانيّ اللّثويّ"السّين"إلى الطّبقيّ جهدًا عضليًّا في النّطق زائدًا، ولعلّ هذا هو الذي أَذِنَ بحلولِ الزّاي محلّ السّين في هذه البيئِة الصّوتيّة"خسق"، فاقترب مخرجُ الزّاي، وهو لثويّ خالص، من مخرج الخاءِ والقاف، وقد انبنى على هذا أنْ وُجِد جذران لغويّان ينضويان تحت لواء المعجمِ العربيّ، ولكنّ مواضعَ الاتّفاقِ الغالبِ أمرهُ على هاتين المادّتين تشي بأنّهما يفيئان إلى أصلٍ واحد، وربّما كان هناك تفسير آخر لوجود هاتين المادّتين بمعنى واحدٍ، وهو وجود"القافِ"في مادّة"خسق"، ولعلّها القافُ اليمانيّة التي