فهرس الكتاب

الصفحة 4238 من 4462

يظهر مما تقدّم أنّ هاتين المادّتين تلتقيان على قدرٍ معنويّ مشترَك، وأنّهما تفترقان، فالنّزْغ في دلالتهِ العامّةِ الإفسادُ والطّعن، والنّسغ تغريزُ الإبرة والطّعن باليد أو الرّمح، وأحسبُ بعد هذا المتقدم أن لهما أصلًا واحدًا، وأن عوارض صوتية خاصة أدت إلى وجود أخرى، فإن كانت السّينُ هي الأصلَ فإنّ قواعدَ المماثلة، والبيئةَ الصّوتيّة التي وردتْ فيها"السّين"اقتضت أنْ ينالَ السّينَ - وهي مهموسة صفيريّة - بعضُ الجهر الآتي من مجاورتها"الغين"، فاستحالتْ السّين"زايًا"مجهورة، وبقي معنى المادّة الأمّ مكتنفًا المادّةَ الحادثةَ المتخلِّقة منها، ويدلّ على هذا المعنى الكلّيُّ الذي يكتنف مادّتي"نزغ"و"نسغ"، فَنزْغ الشّيطانِ أو المفسد كنسغِ الواشمةِ التي تغرز إبرتَها؛ إذْ إنّ الأوّلَ يغرزُ إبرته المجرَّدةَ التي هي ضرب من الشّرّ أو وسواسٌ يقع في النّفس، ولعلّ المعنى الكلّىّ الذي تلتقي عليه هاتان المادّتان هو"الطّعن"إنْ معنويّا وإنْ ماديًّا، ثم إنّ ابن منظورٍ جنح جنوحَ المدلّل الممثّل على تداخلِ معاني هاتين المادّتين، ففي مادّة"نزغ"قال:"ونَسَغَه بكلمة: مثل نَزَغَه" (99) ، وقد جمعهما الزّمخشريّ في أساسِه مرّتين مقرّرًا أنّ"نزغه مثل نسغه" (100) .

جذا - جثا:

وهاتان مادّتان بين معنييهما اتّفاقٌ وافتراق، ولكنّ الاتّفاقَ مستحكِمٌ ظاهر، فقد جاء في اللّسانِ أنّ معنى"جثا"الجلوسُ على الرّكبتين، ويقال جاثيتُ ركبتي إلى ركبتهن وتجاثَوْا على الرّكب، والجاثي: القاعد (101) ، أمّا عن وجوه الاتّفاقِ فقد جاء في اللّسانِ أنّ الجاثيَ كالجاذي (102) ، وأنّ"جثا جَثْوًا وجُثُوًّا كجذا جَذوًا وجُذُوًّا،…، والجَثوة والجِثوة والجُثوة لغة في الجَذوة والجِذوة والجُذوة، وزعم يعقوبُ أنّ الثّاء هنا بدل من الذّال" (103) ، وعند الفرّاء تستوي هاتان المادّتان على معنى واحدٍ، وعند أبي عمرو وابن جنّيّ:"جذا وجثا لغتان" (104) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت