فهرس الكتاب
ولكنّ وجه الافتراقِ بين هاتين المادّتين يتجلّى عند إشارةِ بعض علماء العربيّة إلى فرقٍ دلاليّ يتربّع على دائرةِ دلالةِ كل منهما، فالدّلالةُ عند الجوهريّ: الجاذي: المقعي منتصبَ القدمين، وهو على أطرافِ أصابعهِ (105) ، وعند ثعلب: الجذوّ على أطرافِ الأصابع، والجثوّ على الرّكب (106) ، وعند ابن الأعرابيّ: الجاذي على قدميه، والجاثي على ركبتيه.
أحسبُ أنّ ثّمة مادّة أصيلةً، ويسند هذا النّظرَ ما تقدم من إلماحاتِ القدماء إلى وجهِ الاّتفاق، أو إلى كونِهما لغتين تفترقان في المبنى، وتلتقيان في المعنى، ولكنّ سيرورةَ هذه الكلمةِ عبر الزّمان، وتقادمَ العربيّة، وتباينَ اللّهجات، كلّ هذا تضافرَ ليفضيَ إلى انشعاب أخرى تلابسها، فاختصتْ كلّ واحدة - عند بعض علماء العربيّة - بفرق دلالّي واحدٍ، كأنْ يكونَ الجثوّ على الرّكب، والجذوّ على أطرافِ الأصابع، ويظهر أنّ ثّمة ملمحًا دلاليًّا عريضًا جامعًا، وإذا ما أريد تفسيرُ هذا فالقول فيه حاضر؛ ذلك إنّ للباعث اللّهجيّ يدًا في ذلك، وهذا مذهبُ أبي عمرو (107) ، وابنِ جنّي (108) ، وللتّقاربِ الصوتيّ يدٌ في ذلك كذلك، وقد ذهب ابن قتيبةَ (109) ، والزّجاجيّ (110) وأبو حيّان (111) إلى أنّ"جثوت"و"جذوت"بمعنى واحدٍ، فإذا كان الأصلُ في تَينك المادّتين هو"جثو"و"الجثوة"فإنّ ذلك يرشّحُ لظنّ يقومُ في النّفسِ مفادُه أنّ الذّال منقلبةٌ عن"الّثاء"وفاءً بقواعدِ المماثلةِ الصّوتيّة؛ إذ إنّ الثّاء المهموسةَ استرفدتْ صفةَ الجهر من الجيمِ المجهورة، فاستحالتْ ذالًا، إذْ لا بونَ بين الثّاء والذّال - من وجهة صوتيّة - إلاّ في الجهرِ والهمس، فكلاهما - أعني الثّاءَ والذّال - بيأسنانيّ، ورخو، ومرقّق.
شزب - شسب: