فهرس الكتاب

الصفحة 4314 من 4462

كان من أهم الأسباب في ازدهار حركتنا العلمية قديمًا توحيد المصطلحات العلمية في أوطاننا العربية، مما هيأ لقيام وحدة علمية بين علماء العرب في جميع ديارهم وأقطارهم من أقاصي إيران إلى أقاصي الأندلس، ولنضرب مثلًا بعلم الطب، فمصطلحاته عند ابن سينا في بخارى أو غيرها من مدن إيران التي نزلها هي نفسها مصطلحات الأطباء في جميع بلدان العالم العربي لا فرق فيها بين بلد في الشرق وبلد في الغرب ولا بين عالم في الأندلس وعالم في مصر أو في العراق. وأتاح ذلك للعلوم العربية نهضة كبرى؛ إذ تعاون في كل بلد عربي علماؤه مع جميع العلماء من العرب في كل مكان، والعلم يخطو دائمًا إلى الأمام بجهود العلماء المشتركة، وكثيرًا ما كان يحدث رحيلُ عالم من وطن إلى وطن عالم عربي آخر سمع به ليحاوره في آرائه العلمية على نحو ما نعرف عن ابن بطلان العراقي الطبيب ورحيله إلى مصر، ليلقى طبيبها ابنَ رضوان، ويحاورَه في بعض آرائه الطبية وظل بالقاهرة ثلاث سنوات يحاوره فيها ويناقشه في مشاكل الطب وأمراضه وأدوائه. ولو أن مصطلحات علم الطب لم تكن موحدة في زمنهما ما استطاع هذان الطبيبان العراقي والمصري التفاهم، وهو ـ دون ريب ـ ثمرة الوحدة العلمية في الطب التي كانت قائمة حينذاك بين علماء العرب في الطب وغير الطب.

وهي وحدة يفتقدها العرب اليوم؛ إذ لا تجد قطرين عربيين يتفقان على مصطلحات علمية في أي علم، ومن أهم الأسباب في ذلك ما كان من الاحتلال الإنجليزي والفرنسي لديارنا وسيطرة الدولتين على التعليم بلغتيهما في البلدان التابعة لكل منهما، فاختلفت الصيغ العلمية في البلدان المحتلة بالإنجليز عما يقابلها من الصيغ في البلدان العربية المحتلة بالفرنسيين، وأدى ذلك إلى بلبلة واسعة في نطق المصطلحات العلمية بالبلدان العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت