فهرس الكتاب

الصفحة 4391 من 4462

(هـ) وهذه المحاولات المتعاقبة تمت لضبط التأويل، أو جعل الهيرمينيوطيقا فنًّا مقننًا وليس عملًا سائبًا بلا ضفاف ولا حدود، ولكن ليس إلى حد غلق باب التأويل على غير البابا كما فعل الكاثوليك الذين اضطروا أخيرًا أن يقولوا: إن التأويل الفردي ممكن ولكن لابد أن يكون متسقًا مع التأويل الرسمي المعتمد لدى الكنيسة.

... ثم جاء العصر الحديث، وانطلقت العقول من عقالها، وبالغ المفكرون في إخضاع نص الكتاب المقدس للنقد التاريخي والتحليل اللغوي الحر خلال القرن السابع عشر، والثامن عشر، وكان لفلسفة التنوير Enlightenment أثر كبير كاد يعصف بقداسة النص ومحتوياته، كما ساعدت على ذلك حركة إحياء التراث الإغريقي التي بدأت قبل ذلك واستمرت بمناهجها في تحقيق النصوص وتأويلها، وكان للنزعة العقلية الديكارتية Rationalism على يد هوبز وسبينوزا دور في حركة التأويل الحر للنصوص الدينية، كما كان للفلسفة الإنسانية Humanism التي نادت بإخضاع النصوص الدينية لمقاييس النقد ذاتها التي تطبق على كل نص قديم أثر سلبي، فنجم عن ذلك ضروب من الإلحاد Deism والتمرد على الكنيسة بل على التدين خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وظهرت آراء قوية تدعو إلى تجنب الذاتية في التأويل والتزام العقلانية والموضوعية (1) .

... وفي القرنين التاسع عشر والعشرين تطورت الهيرمينيوطيقا على النحو الذي أجملناه فيما سبق، ولئن غلبت روح التحرر على المفكرين الغربيين عندئذٍ فإن بعضهم أسرف على نفسه في ذلك إلى حد الإلحاد وإنكار كل شيء ديني أو مقدس، فقد ولدت الهيرمينيوطيقا الحديثة في

حجر الفلسفات العقلية والتنويرية والإنسانية.

... وقد أسهم شليرماخر(القرن

الثامن عشر) في وضع نظرية الهيرمينيوطيقا على أسس معرفية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت