فهرس الكتاب
ثم روى عنه في السفر الرابع أخبارا متعددة حول مملكة مالي افتتحها بقوله:"حدثني الشيخ الثقة الثبت أبو عثمان سعيد الدكالي،وهو ممن سكن مدينة نيني خمسة وثلاثين عاما واضطرب في هذه المملكة" (94) .
لا أعرف كما قلت قبل قليل أكثر مما ورد في هذين النصين عن هذا الشيخ الدكالي ، وربما يفهم من كلامه الذي دونه العمري أنه زار بلاد الشام (95) وإيران وتوران (96) ، ويبدو أنه قضى آخر أيامه في مصر .
وقد كانت رحلته التي لا نعرف ظروفها وأسبابها إلى مالي في أوائل القرن الثامن الهجري ، وكانت إقامته فيها على عهد منسا موسى الذي عرف بالجود والعطاء والعطف على الغرباء (97) ولم يكن الشيخ سعيد الدكالي الوحيد في مالي يومئذ فقد كان القاضي بها دكاليا ، وقد تحدث ابن بطوطة - الذي دخل مالي بعد أن كان خرج منها الدكالي - عن قصة القاضي الدكالي المذكور مع السلطان منسا موسى وهذان الدكاليان ينسبان إلى قبيلة مشهورة في المغرب (99) ، وقد عرف أهلها بالترحال وفي بعض كتب التراجم ذكر لعدد من المرتحلين منهم (100) ، ولهذا لم يكن صدفة ظهور أول ركب شعبي للجاج المغربي في منطقة دكالة وقام بتأسيس هذا الركب الصوفي المغربي أبو محمد صالح الماجري الدكالي (101) ، وكان نظام هذا الركب أشبه شىء بوكالة من وكالات الحج والسياحة في عصرنا ، وقد كان لوكالة أبي محمد صالح منازل للإيواء والاستقبال في بجاية والإسكندرية ومكة (102) وربما في غيرها .
إن أخبار مالي التي رواها العمري عن أبي عثمان الدكالي تتفق في جملتها مع الأخبار التي حكاها ابن بطوطة في رحلته، فالرحالتان المغربيان يلتقيان على سبيل المثال في وصف مجلس الملك وأبهته وحاشيته وتذلل رعيته له وعادتهم في ذر التراب على رؤوسهم أمامه تعبير عن طاعته أو شكره أو الإعجاب بكلامه (103) .
ويتشابه كلام الرجلين أيضا في الحديث عن الأغذية والأطعمة والحبوب والثمار (104) .