... وحول التأكيد على عدم انعكاف معاجمنا على نفسها، والتأكيد كذلك على أن معجمنا يسير في هذا الاتجاه نذكّر بظاهرة نراها اليوم في كل دولةٍ من الدول العربية، بل ربما في معظم القواعد والعواصم… وهي الظاهرة التي تتجلى في إنشاء معاهد عليا رسميةٍ وحرةٍ للترجمة تشرف عليها الدولة أو مؤسسات أهلية تعمل على تلقيح اللغة العربية بما يجد…
... لقد كانت هذه الظاهرة في نظرنا تعبيرًا صارخًا عن الحاجة إلى تحديث معاجمنا وتنمية لغتنا وتهيئتها وملاءمتها لما يصل أسماعنا - كما قلت - في كلّ مطلع شمس.
... ولقد أصبحت هذه المؤسسات تنظم الندوات إثر الندوات. وأمست لها نشرات منتظمة وإصدارات تتحدث عن نشاطها، كما أصبحت لها علاقات واسعة مع مثيلاتها في مختلف جهات العالم، وغدت تكون عنصرًا مهمًّا فيما
يتصل بازدهار اللغة العربية وإغنائها وإثرائها وتنميتها، الأمر الذي سييسر لنا النظر إلى آفاق المستقبل ونحن نتحدث عن معاجمنا اللغوية في الغدِ القريب وما يتطلبه من تطورات جديدة نعتقد أن أجيالنا في حاجةٍ حثيثةٍ إليها.
... يلذ لي أحيانًا عندما تسألني حفيدة لي أو سبط عن معنى كلمة عربية، يلذ لي - قبل أن أجيب - أن أطلب إليهم أن يبحثوا عنها في معجم
من معاجمنا المتداولة، لا أطلب إليهم طبعًا أن يرجعوا إلى لسان العرب مثلًا لأني أحفظ الحكمة القائلة:"إذا أردت أن تطاع فاطلب مايستطاع"، ولكني أطلب إليهم أن يبحثوا عن الكلمة في (المنجد) مثلًا… وأشد ما يكون استغرابي من عجز هذا أو ذاك عن وجود الضالة المنشودة بسهولة… في حين، يكون الأمر على العكس إذا طلبت إليهم أن يبحثوا عن الكلمة في المعاجم الفرنسية والإسبانية، والإنجليزية والألمانية…
... هذا بالنسبة للمعنى اللغوي، أما عن سرد هؤلاء من الوجهة النحوية فسيكون على أذني أن تتحمل سماع ما يرجّ رفاتَ سيبويه (ت80هـ=796م) في قبره بشيراز!.