وقد تظلُّ الأعلام الجغرافية للمناطق التى تَرْحلُ عنها القبائل أو العشائرُ حيَّةً باقية ، وقد ينثر بعضُها مع اندثار منازلها ورُبُوعها التى تصير أطلالًا ورُسُومًا دراسة . وكم يكون لهذه المنازلِ التى كانت عامرةً ذكرياتً حميمةً ، تجيشُ بها قلوبُ مَنْ عَمُروها ، فإذا مَرُّوا بأَطلالها ورُسُومها أثارتْ شَجَنَهم ، وطافتْ حولها ذكرياتُهم ، فوقَفُوا عليها ، وفى العَيْن عَبْرة ، وفى الفؤاد حبرْة ، فإذا كان الواقف بالرَّسوم والأطلال شاعرًا بكاها بشعره … وقد كَثُرَ وقوفُ الشعراءِ بالرُّسوم والأَطلال ، وإنشادُهم الشِّعْرَ فيها ، حتى صار ذلك تقليدًا يَلْتَزِمُ به كلُّ شاعر ، بل أَخذ الشاعرُ يلتمسُ خليلًا أو خليليْن ـ ويغلب أن يكونا مُتَخيَّلَيْن ـ فيوُقِفُهما الشاعرُ معه على طَلَلِه أو رَسْمِه الدارس ؛ ليُشاطِراه البكاء عليه"من ذلك قول امرئ القيس:"
قِفانبكَ من ذكرى حبيب ومنزلِ
بسِقْط اللِّوىَ بين الدَّخُل فَحْومَلِ
فتُوضِحَ فالمقْراةِ لم يَعْفُ رَسْمُها
لِمَا نسَجَتْها من جنوبٍ وشمْأَلِ
وقُوفًا بها صحبى علىَّ مطيَّهِم
يَقولون: لا تَهْلِكْ أَسىَّ وتَجمَّلِ وظَلىَّ الشعراء يفتحون قصائدهم بالوقوف باكين على الرُّسُوم والأَطلال، وعلى أَحِبَّتهِم الذين أَقاموا فيها ، وصار ذلك الوقوفُ الباكى تقليدًا للشعراء حتى لو لم يكن لهم طَلَلُُ أو رَسْم دارس ، وامتدَّ ذلك التقليدُ على مدى العصور ، بل تَجاوزَ التقليد الشعرىّ ، فقال يَسْخَرُ من الوقوف على ما دَرَسَ من أَطلال ورُسُوم
قُلْ لِمَنْ يبكى على رَسْمٍ دَرَسْ
واقفًا: ما ضَرَّ لو كان جَلَسْ !