فهرس الكتاب
... ولكن هذه الأوضاع تغيرت تغيرًا جوهريًّا، وتحسنت إلى غاية لم نكن نتصورها عندما نشر الأستاذ جونز تأليفه عن الخرجات الأندلسية المحتوى على تصوير شمسي لكل واحدة منها ملتقط من جميع المخطوطات التي وردت فيها ، والحقيقة أنه لم يقطع شوطًا جديدًا في تفسيرها إلا أن توخيه الصارم لمبدأ التمسك بواقع النصوص المقيدة، وعدم التلاعب بها بواسطة التصويبات من غير ضرورة قد مهد الطريق لتفسيرها الأدق، وللرجوع إلى الجهد العلمي فيما كان قبلئذ مجالًا للهزل، أو على الأقل للعبث والاعتباط!
... وصادف صدور ذلك الكتاب آخر مراحل مناقشة القضية العروضية التي أسفرت عن نتيجة واضحة ، وهي أن الموشحات والأزجال ... على حد سواء غير خاضعة لتقطيع الشعر الرومنسي ، وإنما تقطيعها تقطيع خليلي مع بعض الضرورات المستحدثة، أو مع بعض التحوير على اختلاف آراء الباحثين ، فقضى الاعتراف شبه العام بهذا المبدأ على جميع التصويبات المحدثة لنصوص الخرجات الأصلية بقصد المطابقة بينها وبين مقاييس العروض الرومنسي ، وصفا الجو ثانيًا لمحاولة تحقيقها وفقًا للعروض الخليلي الذى يجب تطبيقه على الأزجال والموشحات مع خرجانها لكونها جزءا من أجزائها ، وهذا جليٌ وعن البيان غنيّ ، إن اهتدينا إلى أن الخرجات بالعامية الأندلسية ، وهي الغالبة، وأخواتها الأعجمية، وهي قليلة جدا نسبيًّا، إنما هي قطع مقتبسة عن أزجال سابقة قد اشتهرت لدى الجميع، فربما حلى الوشاحون أشعارهم بها على سبيل الهزل والاستطراد إلى ملح الفنون الشعبية الملحونة، بعد طرقهم باب الجدِّ بقولهم الفصيح المُعْرَب.