فهرس الكتاب
وجاء به ياقوت شاهدًا على جبال حسمى وأن القتام لا يكاد يفارقها .قال: وقد اختلف الناس في تفسير هذا البيت ولم يعلموا ما أراد . وبكون مسيرة ثلاثة أيام في يومين يعرفها من رآها من حيث رآها لأنها لا مثيل لها في الدنيا .
قلت: نظرًا لنعومة رملها ، ولجفافها وحرارتها فإن الغبار يخف فيها لأدنى ريح ، ولا يكاد القتام والهباء يفارقها ، ومن أشرف عليها رأى القتام يخيم عليها لاتساعها وانبساطها نسبيًّا ، وقول الذبياني قريبٌ من قول الشاعر:
إذا غوزن هاجرة بفيفٍ
... كأن سرابها قطع الدخان
والسراب لا يكون كالدخان ، وإنما أراد ما خف من الهباء ولعاب الشمس والأبخرة التي تنتشر في الأفق ، ونعتقد أن النابغة نزل حسمى أيام لجوئه للغساسنة عقب وعيد المنذر .
أما قوله: لم يعلموا ما أراد ، فلعله راجعٌ إلى ضبط البيت ، ونعتقد أن الصواب في ضبطه ضم الدقاق على أنه اسم أصبح وصاحب الحال المقدمة (عاقلًا) ومحتزم القتام حال أخرى ، أمّا خبرها فهو شبه الجملة (بجبال حسمى) ويكون المعنى: فأصبح دقاق الترب عاقلًا أي معقولًا لا يتحول من موضعه ( اسم فاعل بمعنى المفعول ) .
أما حرة نهيا ، بهل ، وهي مما ورد ذكره في شعر المتنبي ، لكن في غير رحلته من مصر إلى الكوفة ، فهي تقع إلى الشمال من حسمى ، وكان بينه وبين أمير بني فزارة (حسان بن حكمة) مودة وصداقة، وكان هذا بحسمى ، ولا شك أن تلك الصداقة تعود إلى وقت سابق ، أو ربما زار المتنبي تلك المنطقة من قبل حاجًا مع سيف الدولة أو بدر بن عمّار ، أو صيادًا، فنشأت بينهما هذه العلاقة ، وظلت من بعيد حتى قصده في طريقه من مصر إلى الكوفة ، فتجدد بذلك العهد لولا بوقة عبيده .