فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 4462

نعم ، إن فهم الفئات الشعبية للفصحى في تحسّن مستمرّ . والعامية اغتنت بالعديد من الألفاظ والصيغ الآتية من الفصحى . لكن الحياة الحضرية والجهود المبذولة - بصورة فوضويّة أحيانا - من أجل تطوير الأوضاع ، والحرص على اللحاق بما يسمّى"ركب الحضارة"، كل ذلك أفرز ، في كبريات المدن ، عوامل سلبية غيّرت من السلوك ومن لسان التخاطب - خاصة في صفوف الأجيال الصاعدة - فأَدخَلت عليها ضروبا من"التلوّث".

ولئن ألححتُ في التنبيه إلى مخاطر هذه الظاهرة الجديدة ، فإنما ذلك لما تنطوي عليه من آثارٍ على نفسية الشباب وسلوكهم ، وفي آخر الأمر على انتمائهم الحضارى . فلغتنا - الفصحى كالدارجة - تقوم ، كسائر اللغات ، على هيكليات ، إذا ما اختلّت فقدت اللغة مرتكزاتها النفسية والاجتماعية . فاللغة من أهمّ وسائل ارتباط الفرد بالأسرة وبالمجموعة الوطنية: بواسطتها يلتقى الموروث الحضاري التليد ، ومن خلالها يعبّر ، بدوره ، عن مشاعر وأحاسيس ومعان تكيّف سلوكه ، وتنحت مواقفه من قضايا هامة ، وتثري اللسان الوطني بإضافات وتزيد من حيويته .

وخطورة هذه الظاهرة تتمثل خاصة في الانفصام الذي يحصل بين اللسان الدارج ومجموع التراث الحضاري الذي تتناقله الأجيال . فيقع للنابتة - وهي تسمية الشباب عند الجاحظ - انبتات يعطّل عملية النموّ والتطوّر التي لا تستقيم إلا متى كانت وترًا مشدودًا بين تراث الماضي وثراء الحاضر وإبداع المستقبل .

وختاما لهذه الملاحظات الخاصة بعلاقة اللسان بالعملية الحضارية - التي هي تراث دون انفصام ، وإبداع دون انقطاع - نقول:

إن الثنائية بين الفصحى والألسن الدارجة ظاهرة قائمة في كلّ أقطارنا العربية ، ولو بنسبٍ متفاوتة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت