فهرس الكتاب
والعناية برفع مستوى الدارجة ليست مناهضة للفصحى ، بل هى سعي للتقريب بينهما، وهي أيضا غيرة على الأصالة الحضارية لمجتمعاتنا . فاللسان الدارج ، متى تدعمت أصالته وزادت نقاوته ، كان خير تمهيد لامتلاك الفصحى وأقوى سند لها . أما إذا أصابه التفسّخ ، فإنه يزيد من أسباب الإغراء باللغات الأجنبية، ويكون عاملا من عوامل الهجرة الحضارية .
ولما كان من غير الواقعي إلزام شعوبنا العربية التكلّم بالفصحى ، في كل مستوياتها الاجتماعية ، فلابدّ من وقاية اللسان الدارج ، في كل قطر من أقطارنا، من الفساد الذي يُدخل الضَّيم على ذهنية المجتمع وعلى موروثه الحضاري .
وخلاصة القول فإن الدارجة الشائعة بين الناس لها وظيفة اجتماعية تشدّ المجتمع أن يتفكّك ، وأن يُجتثّ من أصوله العريقة . ذلك أن شخصية كل شعب تبرز من خلال لغته التي يتحدّث بها الناس يوميًّا في كل شؤون حياتهم ومعاشهم، ولو تكلّمت شعوبنا كلّها بالفصحى لظهرت فروق بينها من خلال ما تتوخّاه من تعابير وما تبتكره من صيغ وألفاظ أكثر لصوقا بمشاعرها ورؤاها ، وما تنحو إليه من سلوك .
أما الفصحى فلها رسالة ثقافية وحضارية - وأذن قومية - بفضلها تتمكّن شعوبنا من وعي انتمائها ومسؤوليتها في النهوض بهذه الرابطة التي هي من أهمّ ما يجمع بين العرب .
2 -رسالة الفصحى:
تضطلع الفصحى برسالة مزدوجة: فهي الأداة الجامعة بين الشعوب العربية قاطبة . وبهذا الاعتبار فرسالتها قومية . وللفصحى أيضا - باعتبارها أداة ثقافة وعلم - رسالة حضارية تعزّز الرسالة القومية .
أما الرسالة القومية التي تختصّ بها الفصحى فتتمثّل في أن الانتماء إليها -وإلى ثقافتها وحضارتها - إنما هو قوام عروبة شعوبنا . فالذي يجمع بين سائر الشعوب الملقّبة بالعربية ليس الانتماء العرقي ، بل الانتماء اللغوي والثقافي والحضاري .