فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 4462

ونظرًا إلى اختلاف اللهجات المحلية ، فإن الوسيلة المثلى للتخاطب والاتصال بين العرب إنما هي اللغة الفصحى: بها يخطب الخطباء ، وبها تُكتب الوثائق التي هي المرجع في كل اتفاق بين أطراف عربية . غير أن اللغة التي يتمّ بها فعلا التخاطب في المحافل الرسمية لا تلتزم ضوابط اللغة الصحيحة . بل كثيرًا ما تحل محل الفصحى لغة ثالثة نسيجها الفصحى مطعّمة بألفاظ وصيغ من دارجة الشعب الذي إليه ينتمي الخطيب، وأحيانًا من اللسان المصري ، للاعتقاد السائد أنه مفهوم لدى الجميع .

والحق يقال ، إن المصريين صنعوا لغة لهم ، خاصة بهم ، تمتاز بموسيقا خلابة ، وبتقاطيع بديعة ، فيها من تراكيب الفصحى ، وفيها أيضًا ما يجانب الفصحى في التركيب ، وفي النحو والصرف ، وحتى في بعض النطق . والمتأمّل في هذا اللسان ، يلاحظ أنه تغلب عليه جملة من القوالب ، مستعملةً في كل مستويات المجتمع المصري ، وترد على لسان"الباشا"ونسمعها من"الشغّال"والمصرية بليغة الأداء ، جميلة الأعطاف إذا ما اتُّخذت للغناء . وقد يتظرّف البعض بتقليدها - من باب المداعبة أو التهكُّم - ولكن أغلب العرب يركنون إليها عند الحاجة - حتى أولئك الذين علّم أجدادهم الفصحى لمن لم يكن يتكلّمها . والجميع يكنّون لها ، ولو في خفايا النفوس ، إعجابًا كبيرا . وكون هذا اللسان مفهوما في سائر الأقطار العربية راجع أيضا إلى ذيوع الأغاني والأفلام المصرية ، منذ عهد بعيد ، وإلى تأثير إذاعة القاهرة أيام عبد الناصر ، ثم اليوم إلى انتشار المسلسلات التلفازية التي يتمّ إنتاجها في مصر أو خارجها ، لكن بكُتاب وممثلين مصريين .

السؤال الذي يخامر أغلب المفكّرين ، ولكن لم تقع معالجته هو: ما الذي يحول دون بلوغ الفصحى ، في اجتماعاتنا الرسمية ، المرتبة التي لسائر اللغات الكبرى في مثل هذه المحافل ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت