فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 4462

في كل أقطار أوربا ، تلتزم الشخصيات الرسمية لغة"فصيحة"عالية المستوى . بل إن ذلك من شروط الارتقاء إلى مراتب المسؤولية في سائر المجالات . لكن الأمر عندنا يبدو مختلفًا . فكأن إتقان اللغة الفصحى"أمر ثانوي"، والمدار كلّه على"المعاني". لكن"المعاني"تفقد كثيرا من نصاعتها وإشعاعها إن لم يكن التعبير عنها بلغة فصيحة بليغة ، خالصة من اللحن . أما موقفنا من اللغات الأجنبية فعلى عكس ذلك ، إذ نعتبر أن اجتناب أدنى لحن عند التحدث بالإنجليزية ، أو الفرنسية ، أمر ضروري لمن بلغ مراتب عليا ، ودليل على المستوى الثقافي بالنسبة إلى النخبة عامة . فهل يجب أن نستنتج من ذلك أن الفصحى ليست جديرة بهذه العناية نفسها ؟ أم هي من العسر والتعقيد بحيث دخلت ضمنيًّا في عداد اللغات الميتة ، فيُسمح بالمراطنة فيها _ كما كان الرومان ، في أزمنة انحطاطهم ، يتكلّمون ما أطلق عليه"لاتينية المطبخ"؟ لابدّ من وضع مثل هذه الأسئلة ، ليتّضح للجميع خطورة موقفنا من الفصحى التي نربأ بها عن أن تنحط إلى عربية المطابخ . الفصحى هي ، قبل كل اعتبار آخر ، لغة القرآن والحديث ، ولغة ثقافتنا طوال العصور ، أثرت التراث الإنساني ، وأشعت على بلاد أوربا قرونا - بعد تفريط الأوربيين في التراث اليوناني . ومن إعجاز لغتنا الفصحى أنها ، على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا متتالية ، لم تشهد اندثارًا ، ولم يطوها التاريخ . حافظت على قوة نسيجها وروحية قواعدها ، رغم أنها تطورت تطوّرا كبيرا صيّرها لغة علم وفلسفة واقتصاد . وبفضل قابليتها للاشتقاق ، وقدرتها على استيعاب الدخيل من الألفاظ والتعابير ، استطاعت أن تؤدي ألطف المعاني وأدقّها. والأمر - من بين سائر اللغات الإنسانية - جدير بالملاحظة والاعتبار: إذ الفصحى تطوّرت - بحسب حاجيات المجتمعات المتتالية - دون تبديل ، وطوّعها أهلها لكل مأرب دون مسخ . وإن هي تلوّنت وتكيّفت وتنوّعت في كل الوجوه ، فهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت