فهرس الكتاب
باقية على أنماطها وهياكلها الأساسية . وفي ذلك عنوان حيويتها الدائمة التي تحدت التاريخ . وما طرأ عليها من ركود وجمود ، أثناء قرون التخلّف ، فإنما هو راجع إلى انهيار القوى الإبداعية في مجتمعاتنا ، وما أصاب الفكر فيها من وهن وخمول . أما اللغة الفصحى فهي دوما عتيدة ، قادرة على أداء الرسالات المتجدّدة .
وللوقوف على مدى التنوّع الذي عليه لغتنا الفصحى ، يكفي أن نتذكّر أنها تتلوّن بحسب الأقطار ، وداخل كل قطر ، بحسب الفئات الثقافية ، والشرائح الاجتماعية .
داخل كل قطر من أقطارنا ، تختلف الفصحى ، بحسب الخلفيات الثقافية ، والأوساط الاجتماعية . وأبرز الفروق بين لغة الجيل المتعلم في المعاهد التقليدية ولغة خريجي الجامعات الغربية - أو التى على شاكلتها من جامعاتنا العربية . فواضح أن لغة الشيخ الفاضل بن عاشور مثلا - وقد كان من أبرز أعضاء مجمعنا- تختلف عن اللغة التي كتب بها الأستاذ عبد الوهاب بكير في مجلة المباحث التونسية - وكان في مقدمة أساتذة العربية بالمدرسة الصادفية .
ولا أعلم مَن رمى الجسور بين الثقافتين التقليدية والعصرية مثل رجلين هما من أفذاذ كُتاب العربية: أحدهما من لا يزال يُجمع الناس على تلقيبه بعميد الأدب العربي ، أعني طه حسين الذي جمع بين أصالة اللغة التي تعلّمها من القرآن وكتب الحديث والفقه والأدب .. وبين ذهنية اللغة والثقافة الفرنسية التي اكتسبها في باريس .
فنثر طه حسين تحكمه ، في جزالته ، لغة القرآن ، وفي نصاعته ، دقة العقل الغربي ، وفي موسيقا جمله ، كونُه لا يكتب بيده ، بل يُملي فيستمع إلى إيقاعات كلماته قبل أن يرسمها على الورق"صاحبه"فيحرص على جعلها مسايرة لأوصال الفكرة التي تنشأ في خاطره ، ويُعنى بتوضيحها ، فيحلّل ويفصّل - حيث يُجمل غيره، ويكتفى بالإشارة والتلميح .