فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 4462

فإشراق الجملة عند طه حسين آت من نصاعة الفكر وجزالة اللفظ ، ولكن أيضًا سعة النَّفَس - إذ العمى وضرورة الإملاء رسخا عنده نزعة إلى التريّث في النطق ، وإعطاء كل الحروف حق مخارجها وكل مداها . فأثَّر ذلك في سبك الجملة فجعلها تتفرع أوصالها في سعة وطمأنينة ، عند الإملاء ، وفي سائر أحاديثه المرتجلة .

أما الرجل الثاني ، فكاتب من بلاد المغرب الكبير - من تونس التي كانت منذ الفتح من أهمّ مراكز العربية والإسلام - كاتب انصرف ، منذ نعومة أظفاره ، إلى حفظ القرآن وسائر ما يُحفظ في بداية القرن ، استعدادًا لدخول جامع الزيتونة . ولكن الأقدار شاءت أن يتوجه محمود المسعدي إلى التعليم العمومي غير الزيتوني في تونس ، ثم إلى جامعة السوربون بباريس . فحذق الفرنسية وآدابها ، وبلغ من ذلك شأوا بعيدا كان يمكن أن يؤهله ، لو أراد ذلك، للكتابة بالفرنسية - مثل العديد من بني جيله في شمال إفريقيا . غير أنه اختار أن يكتب بالعربية منذ أول شبابه،"تأصيلا لكيان"، كما يقول - لكيانه التونسي: بعروبته وإسلامه وأمجاد قومه.

ولم يكن من باب الصدفة أن ظهر في تونس _ بلد الحفاظ والاجتهاد معًا - كاتب فذّ مثل محمود المسعدي ، استطاع أن يؤلف بين متباينات: فقد كتب بلغة مُبدعة في أصالتها ، فأضفى عليها من روحه ومزاجه وثقافته . فإذا هذا المزيج بين لغة صمّاء كالحجر الصلد ، وما نفخ فيها من توهّجات وجدانه ، يتمخّض عن أدب نافذ إلى مغلقات الكيان ، ويختزل أوصال الزمان .

ولقد تعمّد المسعدي أن يكتب بلغة ضاربة في القدم . ولم يكن ذلك فقط لتشبّعه بالنصوص القديمة المؤسّسة لكيانه الروحي . كان ذلك منه أيضًا - في عهد كانت فيه تونس تحت الاحتلال - نضالا من أجل هويّة مجتمعه ، وأصالة ثقافته ، وكرامة أمته - بقدر ما كان بوازع جمالي ، وصبابة إلى أمجاد خلت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت