فهرس الكتاب
كتَب المسعدي بلغة رائعة الجمال ، هي إلى لغة القرون الأولى أقرب منها إلى لغة عصره ، آخذًا فيها بإيجاز صاحب"الأغاني"، مع صرامة في الإيقاع ، واكتناز في العبارة ، وفُتوة في النفَس . ومن كل مؤلفاته تتضوّع حيرة في شأن الإنسان ومصيره ، وتساؤل - هو إلى الإيمان أقرب منه إلى الشك - عن غيب الوجود . ويكتنف كلّ كتاباته - ابتداء من قصة"المسافر"التي أعتَبِرُها ومضة من ومضات الأدب الحديث - مناخ من الإبهام والتلويح ، مع الاقتصاد في إظهار العواطف ، يُدخل أدب المسعدي في سياق الأدباء الفرنسيين المحدثين - من أمثال Paul Valery - أكثر مما يُدرجه في أدب المهجر الميّال إلى التبرّجات الوجدانية .
ولعل من الأسباب التي جعلت المسعدي غير ذائع الصيت في بلاد المشرق خلو كتاباته مما يمكن تسميته بعنصر"الطرب"الذي يُحبّه القارئ العربي في أشعارالمتنبّي ، مثلا ، بالأمس ، ونزار قبّاني اليوم ، ولا يجده فيما يكتبه التونسي أحمد اللغماني والفلسطيني محمود درويش: طرب الإيقاعات المتواترة ، والمحسّنات البديعية المتقابلة ، والتشابيه البعيدة المجاز - حتّى أن من علامات"الطرب"استعادة البيت المعجب ، فأصبحت سُنة عند تلاوة القصائد .
ولاشكّ أن كلاّ من محمود المسعدي وطه حسين يقوم أبلغ مثال على ما نريد تأكيده ، وهو أن لغتنا الفصحى هي ، في نفس الوقت ، مرآة لشخصية الفرد الذي يكتب بها ، وانعكاس لذهنية المجتمع -أو العصر- في سماته الفكرية والخلقية .
وبسبب هذه العلاقة الحميمة بين اللغة ومحيطها الاجتماعي ، نجد الفصحى تتلوّن أيضًا بحسب ذهنية كل شعب من شعوبنا . فلغة المغرب مغايرة للغة المشرق. ذلك أن المشرق ، بحكم تركيبته الثقافية والدينية - وربّما لشعوره ، واعيا أو غير واع ، أنه صاحب هذه اللغة الأول - فهو أميل إلى التصرف ، وأسرع إلى التطوير . أما المغرب ، فبحكم تلقّيه الفصحى مقترنة بالقرآن ، فهو شديد الحفاظ على نقاوتها وأصالتها.