فهرس الكتاب
من جملة الملاحظات السابقة يتّضح مدى تأثير اللغة ، باعتبارها أداة"تعبير"حضاري - أعني أداة لـ"عبور"مؤثرات حضارية من أمة إلى أخرى . وهي ظاهرة عامة وقديمة قدم الإنسانية . لكن لا ينبغي لها أن تنقلب إلى غزو حضاري أو إلى ما يورث التشويه والمسخ .
وبقدر ما نعتبر ضروريًا مُواصلة تطوير لغتنا الفصحى - هذه الأداة الرائعة البيان - فإنّا نرى لزاما مراقبة هذا التطوير ، حتى لا يتجاوز الحد الذي يقتضيه نموّ مجتمعاتنا وتوسع الفكر والعلوم عندنا .
وفي هذا الصدد ، لابد من متابعة محورين: قاموس اللغة، وتراكيبها. أما التراكيب ، فهي هيكل اللغة ، وانعكاس الفكر الذي تترجم عنه اللغة . ولكل لغة مناخها ومميزاتها الذهنية المرتبطة بما لأهلها من خصائص عقلية وخُلقية . ومن لوازم التوسّع الفكري أن يتبعه تطور في مستوى هيكل اللغة .
أما قاموس الفصحى ، فتنميته متواصلة منذ أقدم عصورها ، بواسطة الإدماج والاشتقاق . ولكل منهما ضوابط . فالاشتقاق تحكمه سلامة الذوق. والإدماج لا ضرر منه ، إن لم يصحبه غلو ، بغير ضرورة .
ثم إنه لا مناص ، في التعبير عن المعاني الجديدة ، من اعتبار سنة هي عامة في سائر اللغات: وهي أن الألفاظ كائنات حية ، تنمو وتذبل ، وتغتني بدلالات جديدة قد تضاف إلى ما قبلها، وقد تغلب عليه فتجعله في طي النسيان ، وهو ما حصل لعدد من المفردات نجدها فيما كتب في القرن الأول ، ولكنها غابت عن الاستعمال في القرون التالية .
وإن كان من ضوابط عامة لقضية التطوير ، فالاستعمال هو الذي يجدر اعتباره في أغلب الأحيان . فجريان العادة من الصعب معاكسته . وهو الذي -مثلا - فرض كلمة تليفون، وغلب استعمالها على كلمة"هاتف"وهو الذي رسّخ كلمة"الإذاعة"عوضا عن"الراديو"التي شاعت في أول الأمر واختصت اليوم بجهاز التقاط البث الإذاعي.