فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 4462

ولكن من الواجب مقاومة الاستعمالات العقيمة ، مهما جرت العادة بالتلفّظ بها ( مثل دَوْلي بدلا من دُوَلي ، و"مرطّبات"لتسمية أنواع الحلوى في تونس ، واستعمال"ينبغي عليه"خلافا للاستعمال الصحيح وهو"ينبغي له"(ثم هو لا يستعمل في معنى الوجوب ولكن في معنى الجواز والاستحسان) . وكذلك من الضروري حماية الفصحى من الاشتقاقات الثقيلة المتكلّفة، والألفاظ الأعجمية التي لا ضرورة تدعو إلى إدماجها ، لوجود ما يقابلها في لساننا.

وخلاصة القول في هذا الصدد أن ما نريده للغتنا الفصحى إنما هو التطوير الحقيقي ، لا التغريب الذي هو نتيجة تغريب في الفكر . فأدباؤنا ومفكّرونا وعلماؤنا كثيرا ما ينطلقون في دراساتهم وتأملاتهم وتحليلاتهم من"مراجع"فكرية أو أدبية أو علمية - تابعة للثقافة الغربية، تأثرًا بما تلقوه في عهد دراساتهم الجامعية. وهو أمر لم يكن لهم منه بد. ولكن أليس الوقت قد حان لمراجعة مسيرتنا الفكرية على أسس مستوفاة الأصالة ؟ وفي ذلك عمل جبار ، على جامعاتنا ، في كل أقطارنا العربية ، أن تقوم به - بتنسيق حثيث من المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة - وبهدف ربط الفكر الحديث بمنطلقات عربية سقطت من ذاكرتنا في عهد التخلف . وبذلك يتمّ التسلسل الذي يجعل الفكر عندنا ينغرس في جذور عريقة . ولئن بدأت بوادر هذه المراجعة عند بعض مفكرينا ، فإنه لابد أن يصبح ذلك مشروعا قوميًا تضطلع به معاهد الدرس والبحث في الوطن العربي .

وتمهيدًا لذلك ، يجدر أن نعمد إلى أمهات المراجع العربية والإسلامية ، فنتناولها بالتمحيص ، ليتسنّى لنا الربط بينها ثم الربط بينها وبين الفكر المعاصر ، وإقامة السلسلة التي تجعل مسيرة الفكر عندنا واضحة المعالم . وإنّي على يقين أننا ، بفضل هذه المراجعة سوف نتمكن من استخراج"أدوات عمل"نعتمدها في مختلف اجتهاداتنا ، حتى لا نبقى أيتام تراثنا ، غرباء عن مائدة الفكر الإنساني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت