فهرس الكتاب
3-الفصحى في مقدمة مقوّمات الأمة
في حديثنا عن الفصحى ، وكذلك عن الدارجة ، حرصنا على بيان الصلة المكينة بين أداة التعبير وبين الذهنية الجماعية . ولئن كان من واجبنا أن نغار على أصالة لغتنا - دونما تشنّج ولا تزمّت - فإنما ذلك من باب الحرص على أهم مقومات مجتمعاتنا: وهي اللغة التي تمثل، في مستوى الدارجة ، خزّان التراث الحضاري لكل شعب من شعوبنا ، وفي مستوى الفصحى، خزَّان التراث القومي لجموع شعوبنا التي منها تتألف الأمة . ومن وسائل الحفاظ على تراثنا القومي صيانة الفصحى ودرء المفاسد عنها .
لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد . فإذا نحن تأملنا في كل ما تضطلع به اللغة من مهام، فإنا نجد في مقدمتها تصوير"الفعل"المعتزم القيام به ويعتبر ذلك مرحلة أولى من تنفيذه . وبحسب نوعية التعبير - قوّته وضعفه - يتكيّف الفعل . وقد يتغلب التعبير ويطغى إلى حد أنه يُلغي الفعل ويحتل مكانة لدى الفرد أو الجماعة . فالفعل ينحت اللغة ، واللغة تنحت الفعل - أو تعطّله - والفعل بدوره له انعكاس رجعي على اللغة ، بحسب ما يصاحبه من ظروف ، أو ما ينتج عنه من ظواهر يُحتاج إلى التعبير عنها.
ومنذ بدء الحضارات الإنسانية ، والكلمة تتحكم في شؤون الإنسان ، أفرادًا ومجتمعات ، بما تحمله من حركة الفكر وانفعالات النفس ، وطموحات وقيم . فلذلك كان للكلمة دوما دور قائد في حياة الإنسان وتكييف مصيره - سواء بواسطة الدعوة الدينية أو التغنّيات الشعرية أو الخطب السياسية . فالكلام مكيّف لعقل الإنسان ووجدانه وسلوكه، بدونه لا تكتمل إنسانية الفرد ، ولا لحام القوم، ولا حضارة الأمة .
بهذا الاعتبار ، فإن العناية بلغتنا الفصحى واجب ثقافي وحضاري ، إذ هي ضرورية لنموّ المجتمعات العربية ، وواجب قومي في نفس الوقت ، لأن التحام سائر مجتمعاتنا العربية في أمة واحدة يتوقف على الاشتراك في اللغة الفصحى ، في استعمالها وتنميتها .