فهرس الكتاب
ثم إنه لما كانت لغة العلم والثقافة والفكر عندنا ، هي الفصحى ، فأهمية هذه الأداة حيوية . ولا نعتقد أن الطاقات الفكرية لمجتمع ما يمكن تطويرها بلغة أجنبية ، من دون أن ينجر عن ذلك انسلاخ تدريجي عن الحضارة الأصلية الخاصة بذلك المجتمع ، وبالتالي مخاطر جسيمة على كيان المجتمع باعتباره وحدة حضارية قبل أن يكون وحدة اقتصادية .
فإن عمد شعب من شعوبنا العربية ، في مسيرته الإنمائية ، إلى اقتباس العلوم والتقنيات اللازمة ، دون هضمها وتحويلها إلى لغته ، ليتمّ له بذلك تملّكها و"الاستيلاء"عليها - حسب عبارة ابن خلدون - فمن الواضح أن عملية التنمية ستبقى عرجاء ، إذ هي لم تشمل اللغة الوطنية - أو القومية - وما إليها من طاقات المجتمع الحضارية . وبالتالي سيتولّد عن ذلك جملة من العلل الاجتماعية ، منها الهجرة الذهنية .
وبذلك ندرك مدى أهمية الفصحى في سياق تنمية مجتمعاتنا ، إذ التنمية ليست ممّا يُمكن استيراده من الخارج ، وإنما هي عملية يقوم بها المجتمع بنفسه ، من خلال الهضم والاستيعاب ، فكرا وتعبيرا ، بفضل أداة التملّك الأساسية لدى الإنسان وهي اللغة . وبدون ذلك تبقى التنمية سطحية ، غير منغرسة في تربة ثرية تفتّق الطاقات الذاتية التي هي مرتكز التنمية .