... وكلما فكرتُ في الأسماء العربية للحيوان تطوف بذاكرتى قصة طريفة مشهورة عن أبى العلاء ، فلما أردت توثيقها خفَّ إلى نجدتى أخى الكريم الدكتور محمد يوسف حسن ، حبيبُ أبى العلاء ، فأمدنى بكتاب أحمد تيمور باشا عن أبى العلاء ، الذى قدَّم له المجمعىّ العلامة الدكتور بدوى طبانة ، فوجدت فيه الخبر اليقين. وذلك أن عبقرىَّ المعرَّة دخل على مجلس الشريف أبى القاسم المرتَضَى ، وهو ببغداد ، فلما تقدم عَثَرَتْ قدمه بأحد الجالسين ، فصاح الرجل الصَّلِف: من هذا الكلب؟
ولم يكن هذا الرجل - الذى نسى التاريخ اسمه - سيِّئَ الخلق فحسب ، بل إنه كان سيئ الحظ أيضا ، فإن عثرة لسانه كانت أضرَّ به من عثرة قدم أبى العلاء ، الذى ردَّ عليه في ثقة واعتداد بالنفس: الكلبُ من لا يعرف للكلب سبعين اسما! فأُفحم الرجل وسُقِط في يده . وسمع المرتضَى ردَّ أبى العلاء فأدناه واختبره ، ولما وجده عالما فطنا ذكيا ، أقبل عليه إقبالا كثيرا. ولا تحكى القصة أن أبا العلاء ذكر أسماءَ الكلب السبعين في ذلك المجلس، ولكن هذه السُّبَّةَ ظلت قائمة ، على أية حال. وتصدَّى لهذا التحدِّى"بلدياتى"جلال الدين السّيوطى، بعد ذلك بأكثر من أربعة قرون ، فألف أرجوزة أسماها"التبرِّى من معرَّة المعرِّى"تضمنت سبعين اسما للكلب، وأوردها أحمد تيمور في كتابه وشرحها ، بعد أن رجع إلى القاموس واللسان والمخصص وحيوان الجاحظ ، وحياة الحيوان الكبرى للدَّميرى وغيرها ، ثم استدرك عليها.