أَنَّهُ قَالَ:" {يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ مِنْ النَّاسِ فَبَيْنَمَا هُمْ بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ إذْ خُسِفَ بِهِمْ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَفِيهِمْ الْمُكْرَهُ فَقَالَ: يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ} . فَإِذَا كَانَ الْعَذَابُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَغْزُو الْمُسْلِمِينَ يُنْزِلُهُ بِالْمُكْرَهِ , فَكَيْفَ بِالْعَذَابِ الَّذِي يُعَذِّبُهُمْ اللَّهُ بِهِ أَوْ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلَّا إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} . وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ الْمُكْرَهَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَى التَّمْيِيزِ فَإِذَا قَتَلْنَاهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ كُنَّا فِي ذَلِكَ مَاجُورِينَ وَمَعْذُورِينَ وَكَانُوا هُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ , فَمَنْ كَانَ مُكْرَهًا لَا يَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعَ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ عَلَى نِيَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَإِذَا قُتِلَ لِأَجْلِ قِيَامِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَعْظَمَ مِنْ قَتْلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا إذَا هَرَبَ أَحَدُهُمْ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ قِتَالَهُمْ بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ , وَهَؤُلَاءِ إذَا كَانَ لَهُمْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ فَهَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَقَتْلُ أَسِيرِهِمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ , عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ مَشْهُورَيْنِ , فَقِيلَ: لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مُنَادِيَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَادَى يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ , وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحٍ , وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ , وَقِيلَ: بَلْ يُفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْجَمَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ وَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقِتَالِ دَفْعَهُمْ , فَلَمَّا انْدَفَعُوا لَمْ يَكُنْ إلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِ الصَّائِلِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ يَوْمَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ كَانَ أَمْرُهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَمَنْ جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ جَعَلَ فِيهِمْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ , فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ تَاوِيلٌ سَائِغٌ أَصْلًا , وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ جِنْسِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ , وَمَانِعِي الزَّكَاةِ , وَأَهْلِ الطَّائِفِ , وَالْحَرَمِيَّةِ , وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ قُوتِلُوا عَلَى مَا خَرَجُوا عَنْهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ , وَهَذَا مَوْضِعٌ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُصَنِّفِينَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ جَعَلُوا قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ , وَقِتَالَ الْخَوَارِجِ , وَقِتَالَ عَلِيٍّ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ , وَقِتَالَهُ لِمُعَاوِيَةَ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَامُورٌ بِهِ , وَفَرَّعُوا مَسَائِلَ ذَلِكَ تَفْرِيعَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ , وَقَدْ غَلِطُوا بَلْ الصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ , وَالسُّنَّةِ , وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ , كَالْأَوْزَاعِيِّ , وَالثَّوْرِيِّ , وَمَالِكٍ , وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , وَغَيْرِهِمْ , أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا , فَقِتَالُ عَلِيٍّ لِلْخَوَاِرجِ ثَابِتٌ بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الْقِتَالُ يَوْمَ صِفِّينَ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ , بَلْ صَدَّ عَنْهُ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ , وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَة , وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ , وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , وَغَيْرِهِمْ. وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْعَسْكَرَيْنِ مِثْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ , وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ تَيْنِكَ الطَّائِفَتَيْنِ , لَا الِاقْتِتَالُ بَيْنَهُمَا. كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَالْجَيْشُ مَعَهُ فَقَالَ: {إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَأَصْلَحَ اللَّهُ بِالْحَسَنِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ} فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِصْلَاحَ بِهِ مِنْ فَضَائِلِ الْحَسَنِ , مَعَ أَنَّ الْحَسَنَ نَزَلَ عَنْ الْأَمْرِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ إلَى مُعَاوِيَةَ , فَلَوْ كَانَ الْقِتَالُ هُوَ الْمَامُورُ بِهِ دُونَ تَرْكِ الْخِلَافَةِ وَمُصَالَحَةِ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَمْدَحْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ , وَفِعْلِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَا مَدَحَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَفِعْلِ الْأَدْنَى , فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ هُوَ الَّذِي كَانَ"