فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 231

عَنْ نَفْسِي , حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ , وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا جَرَحَهُ , لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى الْآخَرِ مَا يُنْكِرُهُ , وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَالتَّفَاصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ , شَهَادَةٌ) .

دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى الْمَالِ:

12 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى الْمَالِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {قَاتِلْ دُونَ مَالِكِ} . وَاسْمُ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْكَثِيرِ. فَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى مَالِهِ إلَّا بِالْقَتْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَالِهِ وَمَالِ غَيْرِهِ. فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْخَانِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ رَأَى رَجُلًا يَسْرِقُ مَالَهُ فَصَاحَ بِهِ وَلَمْ يَهْرُبْ , أَوْ رَأَى رَجُلًا يَثْقُبُ حَائِطَهُ , أَوْ حَائِطَ غَيْرِهِ , وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالسَّرِقَةِ فَصَاحَ بِهِ وَلَمْ يَهْرُبْ حَلَّ لَهُ قَتْلُهُ , وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ. إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا لِلْوُجُوبِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى أَخْذِهِ هَلَاكٌ , أَوْ شِدَّةُ أَذًى , وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ اتِّفَاقًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْمَالِ , لِأَنَّهُ يَجُوزُ إبَاحَتُهُ لِلْغَيْرِ , إلَّا إذَا كَانَ ذَا رُوحٍ أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ كَرَهْنٍ وَإِجَارَةٍ فَيَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْهُ , قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: وَكَذَا إنْ كَانَ مَالَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ , أَوْ وَقْفٍ أَوْ مَالًا مُودَعًا , فَيَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ الدِّفَاعُ عَنْهُ , وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَخْشَ عَلَى نَفْسٍ , أَوْ عَلَى بُضْعٍ , وَعَلَيْهِ فَإِذَا رَأَى شَخْصًا يُتْلِفُ حَيَوَانَ نَفْسِهِ إتْلَافًا مُحَرَّمًا وَجَبَ عَلَيْهِ الدِّفَاعُ عَنْهُ , مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. كَمَا ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ إذَا قَتَلَ الصَّائِلَ عَلَى الْمَالِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ وَلَا قِيمَةٍ , لِأَنَّهُ مَامُورٌ بِالْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ بِالْقِتَالِ وَالْقَتْلِ , وَبَيْنَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَالضَّمَانِ مُنَافَاةٌ , قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} . وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا} وَقَالَ أَيْضًا: {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . وَيُسْتَثْنَى عِنْدَهُمْ مِنْ جَوَازِ الدِّفَاعِ عَنْ الْمَالِ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ قَصَدَ مُضْطَرٌّ طَعَامَ غَيْرِهِ , فَلَا يَجُوزُ لِمَالِكِهِ دَفْعُهُ عَنْهُ , إنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا مِثْلَهُ , فَإِنْ قَتَلَ الْمَالِكُ الصَّائِلَ الْمُضْطَرَّ إلَى الطَّعَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ. وَالْأُخْرَى: إذَا كَانَ الصَّائِلُ مُكْرَهًا عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ , فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهُ عَنْهُ , بَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكَ أَنْ يَقِيَ رُوحَهُ بِمَالِهِ , كَمَا يَتَنَاوَلُ الْمُضْطَرُّ طَعَامَهُ , وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دَفْعُ الْمُكْرَهِ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ , أَمَّا الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الدِّفَاعُ عَنْ أَمْوَالِ رَعَايَاهُمْ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ: لَا يَلْزَمُهُ الدِّفَاعُ عَنْ مَالِهِ عَلَى الصَّحِيحِ , وَلَا مَالِ غَيْرِهِ , وَلَا حِفْظِهِ مِنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ , لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَذْلُهُ لِمَنْ أَرَادَهُ مِنْهُ ظُلْمًا , وَتَرْكُ الْقِتَالِ عَلَى مَالِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الدِّفَاعُ عَنْ مَالِهِ. أَمَّا دَفْعُ الْإِنْسَانِ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ مَا لَمْ يُفِضْ إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسِ الطَّالِبِ , أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: يَلْزَمُهُ الدِّفَاعُ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ ظَنِّ سَلَامَةِ الدَّافِعِ وَالصَّائِلِ , وَإِلَّا حُرِّمَ الدِّفَاعُ. قَالُوا: وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعُونَةُ غَيْرِهِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ مَالِهِ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا} , وَلِأَنَّهُ لَوْلَا التَّعَاوُنَ لَذَهَبَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت