تَوَهُّمُ الصِّيَالِ , أَوْ الشَّكُّ فِيهِ , فَإِنْ خَالَفَ التَّرْتِيبَ الْمَذْكُورَ , وَعَدَلَ إلَى رُتْبَةٍ - مَعَ إمْكَانِ دَفْعِهِ بِمَا دُونَهَا - ضَمِنَ , فَإِنْ وَلَّى الصَّائِلُ هَارِبًا فَاتَّبَعَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ , وَقَتَلَهُ ضَمِنَ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ , وَكَذَا إنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ ثُمَّ وَلَّى هَارِبًا فَضَرَبَهُ ثَانِيَةً وَقَطَعَ رِجْلَهُ مَثَلًا فَالرِّجْلُ مَضْمُونَةٌ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ , فَإِنْ مَاتَ الصَّائِلُ مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعَيْنِ فَعَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ , لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلٍ مَاذُونٍ فِيهِ وَفِعْلٍ آخَرَ غَيْرَ مَاذُونٍ فِيهِ. وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا مِنْهَا: أ - لَوْ كَانَ الصَّائِلُ يَنْدَفِعُ بِالسَّوْطِ أَوْ الْعَصَا وَنَحْوِهِمَا , وَالْمَصُولُ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ إلَّا السَّيْفَ فَلَهُ الضَّرْبُ بِهِ , لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ إلَّا بِهِ , وَلَيْسَ بِمُقَصِّرٍ فِي تَرْكِ اسْتِصْحَابِ السَّوْطِ وَنَحْوِهِ. ب - لَوْ الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا , وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَنْ الضَّبْطِ فَلَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا لَدَيْهِ , دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ. ج - إذَا ظَنَّ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّائِلَ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ , وَكَذَا إنْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يَسْبِقْ هُوَ بِهِ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ , أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ. وَيُصَدَّقُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ إمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِدُونِ مَا دَفَعَ بِهِ , لِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. د - إذَا كَانَ الصَّائِلُ مُهْدَرَ الدَّمِ - كَمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ - فَلَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي حَقِّهِ بَلْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى قَتْلِهِ , لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ.
8 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْهَرَبِ مِنْ الصَّائِلِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إلَى أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَلْتَجِئَ إلَى حِصْنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ حَاكِمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقِتَالُ , لِأَنَّهُ مَامُورٌ بِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِالْأَهْوَنِ فَالْأَهْوَنِ , وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى الْأَشَدِّ مَعَ إمْكَانِ الْأَسْهَلِ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ إضْرَارِ غَيْرِهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِوُجُوبِ الْهَرَبِ أَنْ يَكُونَ بِلَا مَشَقَّةٍ , فَإِنْ كَانَ بِمَشَقَّةٍ فَلَا يَجِبُ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الصَّائِلُ مَعْصُومَ الدَّمِ , فَلَوْ صَالَ عَلَيْهِ مُرْتَدٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ لَمْ يَجِبْ الْهَرَبُ وَنَحْوُهُ , بَلْ يَحْرُم عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يَهْرُبْ - حَيْثُ وَجَبَ الْهَرَبُ - فَقَاتَلَ وَقَتَلَ الصَّائِلَ , لَزِمَهُ الْقِصَاصُ , فِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ الْأَوْجَهُ , وَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَهُمْ أَيْضًا. وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الْهَرَبِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ إقَامَتَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ جَائِزَةٌ , فَلَا يُكَلَّفُ الِانْصِرَافُ. وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ إنْ تَيَقَّنَ النَّجَاةَ بِالْهَرَبِ وَجَبَ عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ.
دَفْعُ الصَّائِلِ عَنْ الْعِرْضِ:
10 -أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى بُضْعِ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِ أَهْلِهِ , لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إبَاحَتِهِ , وَمِثْلُ الزِّنَا بِالْبُضْعِ فِي الْحَكَمِ مُقَدِّمَاتُهُ فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ حَتَّى لَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِ الصَّائِلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. . . بَلْ إنْ قُتِلَ الدَّافِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَهُوَ شَهِيدٌ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِ وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - وَهُوَ مَنْعُ الْفَاحِشَةِ - وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا} . إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ شَرَطُوا لِوُجُوبِ الدِّفَاعِ عَنْ عِرْضِهِ وَعِرْضِ غَيْرِهِ: أَنْ لَا يَخَافَ