فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 231

الدَّارِ - وَقَالَ: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ حُرٌّ , وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الصَّائِلِ مُطْلَقًا , أَيْ سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا , مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ , آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ , لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّائِلُ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا لَا إثْمَ عَلَيْهِمَا كَالْبَهِيمَةِ. وَاسْتَثْنَى الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَسَائِلَ مِنْهَا: أ - لَوْ كَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ عَالِمًا تَوَحَّدَ فِي عَصْرِهِ , أَوْ خَلِيفَةً تَفَرَّدَ , بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَى قَتْلِهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ , لِعَدَمِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ , فَيَجِبُ دَفْعُ الصَّائِلِ. ب - لَوْ أَرَادَ الصَّائِلُ قَطْعَ عُضْوِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الشَّهَادَةِ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ رحمه الله: وَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ عُضْوٍ عِنْدَ ظَنِّ السَّلَامَةِ , وَعَنْ نَفْسٍ ظَنَّ بِقَتْلِهَا مَفَاسِدَ فِي الْحَرِيمِ وَالْمَالِ وَالْأَوْلَادِ. ج - قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ دَفْعَ الصَّائِلِ بِغَيْرِ قَتْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ وَإِلَّا فَلَا. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَنْ النَّفْسِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْفِتْنَةِ , لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَلِأَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا. أَمَّا فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ , فَلَا يَلْزَمُهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {فَإِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ , فَأَلْقِ ثَوْبَك عَلَى وَجْهِك} وَلِأَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه تَرَكَ الْقِتَالَ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , وَمَنَعَ غَيْرَهُ قِتَالَهُمْ , وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَأَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

قَتْلُ الصَّائِلِ وَضَمَانُهُ):

6 -إنْ قَتَلَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ الصَّائِلَ دِفَاعًا عَنْ نَفْسِهِ وَنَحْوِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ وَلَا قِيمَةٍ , وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ مَامُورٌ بِذَلِكَ. أَمَّا إذَا تَمَكَّنَ الصَّائِلُ مِنْ قَتْلِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ. وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ فِي ضَمَانِ الصَّائِلِ , فَذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ يَضْمَنُ الْبَهِيمَةَ الصَّائِلَةَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ لِغَيْرِهِ , لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ , كَالْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ إذَا أَكَلَهُ. وَمِثْلُ الْبَهِيمَةِ عِنْدَهُمْ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ , كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ , فَيَضْمَنُهُمَا إذَا قَتَلَهُمَا , لِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ إبَاحَةَ أَنْفُسِهِمَا , وَلِذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّا لَمْ يُقْتَلَا. . لَكِنْ الْوَاجِبُ فِي حَقِّ قَاتِلِ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ الصَّائِلَيْنِ الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ , لِوُجُودِ الْمُبِيحِ , وَهُوَ دَفْعُ الشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ , وَأَمَّا الْوَاجِبُ فِي حَقِّ قَاتِلِ الْبَهِيمَةِ فَهُوَ الْقِيمَةُ. 7 - وَيَدْفَعُ الصَّائِلُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ إنْ أَمْكَنَ , فَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِكَلَامٍ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ بِالنَّاسِ حُرِّمَ الضَّرْبُ , أَوْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِضَرْبٍ بِيَدٍ حُرِّمَ بِسَوْطٍ , أَوْ بِسَوْطٍ حُرِّمَ بِعَصًا , أَوْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ حُرِّمَ دَفْعُهُ بِقَتْلٍ , لِأَنَّ ذَلِكَ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ , وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْأَثْقَلِ مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِالْأَخَفِّ. وَعَلَيْهِ فَلَوْ انْدَفَعَ شَرُّهُ بِشَيْءٍ آخَرَ , كَأَنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ , أَوْ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ , أَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ أَوْ خَنْدَقٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ , وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَطَّلَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ كُفَى شَرُّهُ وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الدَّفْعُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ , فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ. وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ هُوَ غَلَبَةُ ظَنِّ الْمَصُولِ عَلَيْهِ , فَلَا يَكْفِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت