ما يفعله أعوان الظلمة فهو من أكبر المحرمات فلا يجوز لهم إن كانوا مؤمنين طاعة ولي الأمر في معصية الله تعالى فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [1] :
وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ التَّعَاوُنَ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ: تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى , مِنْ الْجِهَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ , وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَإِعْطَاءِ الْمُسْتَحَقِّينَ , فَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ , وَمَنْ أَمْسَكَ عَنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ , فَقَدْ تَرَكَ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ , أَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ مُتَوَرِّعٌ , وَمَا أَكْثَرَ مَا يَشْتَبِهُ الْجُبْنُ وَالْفَشَلُ بِالْوَرَعِ , إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا كَفٌّ وَإِمْسَاكٌ. وَالثَّانِي: تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ , كَالْإِعَانَةِ عَلَى دَمٍ مَعْصُومٍ , أَوْ أَخْذِ مَالِ مَعْصُومٍ , أَوْ ضَرْبِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ , وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. نَعَمْ إذَا كَانَتْ الْأَمْوَالُ قَدْ أُخِذَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا إلَى أَصْحَابِهَا , كَكَثِيرٍ مِنْ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ , فَالْإِعَانَةُ عَلَى صَرْفِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدَادِ الثُّغُورِ وَنَفَقَةِ الْمُقَاتِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى , إذْ الْوَاجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ - إذَا لَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا رَدُّهَا عَلَيْهِمْ , وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِمْ - أَنْ يَصْرِفَهَا - مَعَ التَّوْبَةِ , إنْ كَانَ هُوَ الظَّالِمَ - إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ هَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ , كَمَالِكٍ , وَأَبِي حَنِيفَةَ , وَأَحْمَدَ , وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ , كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ أَخَذَهُ , فَعَلَيْهِ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ لَوْ امْتَنَعَ السُّلْطَانُ مِنْ رَدِّهَا , كَانَتْ الْإِعَانَةُ عَلَى إنْفَاقِهَا فِي مَصَالِحِ أَصْحَابِهَا , أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا بِيَدِ مَنْ يُضَيِّعُهَا عَلَى أَصْحَابِهَا , وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لِقَوْلِهِ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} , وَعَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا , وَتَبْطِيلُ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا , فَإِذَا تَعَارَضَتْ كَانَ تَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ أَدْنَاهَا , هُوَ الْمَشْرُوعَ. وَالْمُعِينُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ , مَنْ أَعَانَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ , أَمَّا مَنْ أَعَانَ الْمَظْلُومَ عَلَى تَخْفِيفِ الظُّلْمِ عَنْهُ , أَوْ عَلَى الْمَظْلِمَةِ , فَهُوَ وَكِيلُ الْمَظْلُومِ , لَا وَكِيلُ الظَّالِمِ , بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقْرِضُهُ , أَوْ الَّذِي يَتَوَكَّلُ فِي حَمْلِ الْمَالِ لَهُ إلَى الظَّالِمِ , مِثَالُ ذَلِكَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ , إذَا طَلَبَ ظَالِمٌ مِنْهُ مَالًا فَاجْتَهَدَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ بِمَالٍ أَقَلَّ مِنْهُ إلَيْهِ - أَوْ إلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ فِي الدَّفْعِ , فَهُوَ مُحْسِنٌ , وَمَا عَلَى
(1) - السياسة الشرعية - (ج 1 / ص 44) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 376)
ومجموع رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية - (ج 14 / ص 19)