فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 231

تكن له أعمال صالحة فعلى قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة له. أي لا يقبل الله توبته وأما على قول جمهور العلماء حيث لا عمل له صالحا ينجو به فليس بمخلد فيها ابدا بل المراد بالخلود المذكور في الآية الكريمة هو المكث الطويل وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم (أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثال ذرة من إيمان) وأما حديث معاوية (كل ذنب عسى الله أن يغفر إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا) فعسى للترجي فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين انتفى وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل لما ذكرنا من الأدلة وأما من مات وهو كافر فالنص أن الله تعالى لا يغفر له البتة وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة ولكن لا بد من رده إليهم ولا فرق بين المقتول والمسروق منه والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة ولكنه لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة. فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تنقل إلى المقتول أو بعضهان ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة أو يعض الله المقتول بما شاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها ورفع درجته فيها ونحو ذلك حتى يرضى عن القاتل وقيل: إن الخلود في النار يحمل على أنه جزاء القتل العمد بطريق الاستحلال والعياذ بالله وهو مستلزم للردة وقيل يؤول الخلود في الآية على أنه لو عامله بعدله أو على معنى تطويل المدة مجازا فالمراد به المكث الطويل والله أعلم

وفي الزواجر [1] :

(الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: قَتْلُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ الْمَعْصُومِ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ)

قَالَ - تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أَيْ قَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَمَا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ {يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إلَّا مَنْ تَابَ} وَقَالَ - تَعَالَى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا , وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} اخْتَلَفُوا فِي مُتَعَلَّقِ"مِنْ أَجْلِ"وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ"كَتَبْنَا"وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى قَتْلِ ابْنِ آدَمَ لِأَخِيهِ , وَالْأَجْلُ فِي الْأَصْلِ الْجِنَايَةُ , يُقَالُ أَجَلَ الْأَمْرَ أَجْلًا وَإِجْلًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا: إذَا جَنَاهُ وَحْدَهُ , فَمَعْنَى فَعَلْته مِنْ أَجَلِك أَوْ لِأَجْلِك: أَيْ بِسَبَبِك لِأَنَّك جَنَيْت فِعْلَهُ وَأَوْجَبْته , وَكَذَا فَعَلْته مِنْ جَرَّاك وَجَرَّائِك: أَيْ مِنْ أَنْ جَرَرْته ثُمَّ صَارَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السَّبَبِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: {مِنْ جَرَّايَ مِنْ أَجْلِي} وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ: أَيْ نَشَأَ الْكَتْبُ وَابْتُدِئَ مِنْ جِنَايَةِ الْقَتْلِ. وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَا بَعْدَ مِنْ أَجْلِ وَهُوَ كَتْبُ الْقِصَاصِ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَمَا قَبْلَهَا وَهُوَ قِصَّةُ قَابِيلَ وَهَابِيلَ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ أَنَّهُمَا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا وَلَدُ آدَمَ صلى الله عليه وسلم لِصُلْبِهِ. وَعَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُمَا وَلَدَاهُ لِصُلْبِهِ , فَالْإِشَارَةُ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ قَتْلِ قَابِيلَ لِهَابِيلَ بَلْ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ الْقَتْلِ

(1) - الزواجر عن اقتراف الكبائر - (ج 2 / ص 446)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت