وإن سبق الضّرب الّذي لا يقتل، ثمّ تبعه الّذي يقتل حال الألم، ولا تواطؤ، فلا قود على واحد منهما، بل يجب على الضّارب الأوّل حصّة ضربه من دية شبه العمد، وعلى الثّاني حصّة ضربه من دية العمد باعتبار الضّربات.
وقال الحنابلة: إنّ الجماعة إذا قتلوا واحدا فعلى كلّ واحد منهم القصاص، إذا كان كلّ واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص.
قال ابن قدامة: - بعد ذلك - روي ذلك عن عمر، وعليّ، والمغيرة بن شعبة، وابن عبّاس، وبه قال سعيد بن المسيّب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة.
وهو مذهب مالك، والثّوريّ، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرّأي.
ولا يعتبر - عند الحنابلة - في وجوب القصاص على المشتركين التّساوي في سببه، فلو جرحه رجل جرحا، والآخر مائة فمات، كانا سواء في القصاص والدّية، لأنّ اعتبار التّساوي يفضي إلى سقوط القصاص عن المشتركين إذ لا يكاد جرحان يتساويان من كلّ وجه، ولو احتمل التّساوي لم يثبت الحكم، لأنّ الشّرط يعتبر العلم بوجوده ولا يكتفى باحتمال الوجود، بل الجهل بوجوده كالعلم بعدمه في انتفاء الحكم، ولأنّ الجرح الواحد قد يموت منه دون المائة، ولأنّ الجراح إذا أفضت إلى قتل النّفس سقط اعتبارها، فكان حكم الجماعة كحكم الواحد، ألا ترى أنّه لو قطع أطرافه كلّها فمات وجبت دية واحدة، كما لو قطع طرفه فمات.
4 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الجماعة إذا قتلوا واحدًا اقتصّ منهم جميعًا.
قالوا: لأنّ زهوق الرّوح لا يتجزّأ، واشتراك الجماعة فيما لا يتجزّأ يوجب التّكامل في حقّ كلّ واحد منهم، فيضاف إلى كلّ واحد منهم.
قالوا: ولإجماع الصّحابة على ذلك.
فقد روي أنّ امرأة بمدينة صنعاء غاب عنها زوجها وترك عندها ابنًا له من غيرها، فاتّخذت لنفسها خليلًا، فاجتمع على قتل الغلام خليل المرأة، ورجل آخر، والمرأة وخادمها، فقطعوه أعضاء، وألقوا به في بئر ثمّ ظهر الحادث وفشا بين النّاس، فأخذ أمير اليمن خليل المرأة فاعترف، ثمّ اعترف الباقون، فكتب إلى عمر بن الخطّاب فكتب إليه عمر أن اقتلهم وقال: «واللّه لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا» .
وكذلك قتل عليّ ثلاثة بواحد، وقتل المغيرة سبعة بواحد، ولم ينكر عليهم.
قالوا: ولأنّ القتل بطريق التّغالب غالب، والقصاص شرع لحكمة الزّجر، فيجعل كلّ واحد منهم كالمنفرد فيجري القصاص عليهم جميعا تحقيقا لمعنى الإحياء، ولولا ذلك للزم سدّ باب القصاص وفتح باب التّفاني، إذ لا يوجد القتل من واحد غالبًا.
وخالف في ذلك بعض الصّحابة منهم ابن الزّبير، وروي عن ابن عبّاس، وهو رواية عن أحمد.