مُسْلِمٍ , يَعْنِي: حَدِيثَ الْبَابِ , وَأَحَادِيثُ الْبَابِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْمَقْتُولَ دُونَ مَالِهِ وَنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَدِينِهِ شَهِيدٌ , وَمُقَاتِلُهُ إذَا قُتِلَ فِي النَّارِ , لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُحِقٌّ وَالثَّانِي مُبْطِلٌ قَوْلُهُ: (دُونَ مَالِهِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: دُونَ فِي أَصْلِهَا ظَرْفُ مَكَان بِمَعْنَى تَحْتُ , وَتُسْتَعْمَلُ لِلْخَلْفِيَّةِ عَلَى الْمَجَازِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الَّذِي يُقَاتِلُ عَنْ مَالِهِ غَالِبًا إنَّمَا يَجْعَلُهُ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ ا هـ , وَلَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ"دُونَ دِينِهِ دُونَ دَمِهِ"
وفي الموسوعة الفقهية [1] :
5 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّائِلُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا , عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا , بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا , مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ , آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ هَذَا الرَّايِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَالِاسْتِسْلَامُ لِلصَّائِلِ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ لِلتَّهْلُكَةِ , لِذَا كَانَ الدِّفَاعُ عَنْهَا وَاجِبًا. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - يُرِيدُ قَتْلَهُ - فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ} . وَلِأَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ , يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا , وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ , فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ , كَالْمُضْطَرِّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّائِلُ كَافِرًا , وَالْمَصُولُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَجَبَ الدِّفَاعُ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْكَافِرُ مَعْصُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ , إذْ غَيْرُ الْمَعْصُومِ لَا حُرْمَةَ لَهُ , وَالْمَعْصُومُ بَطَلَتْ حُرْمَتُهُ بِصِيَالِهِ , وَلِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْكَافِرِ ذُلٌّ فِي الدِّينِ , وَفِي حُكْمِهِ كُلُّ مَهْدُورِ الدَّمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ , وَمَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْجِنَايَاتِ. كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الْبَهِيمَةِ الصَّائِلَةِ , لِأَنَّهَا تُذْبَحُ لِاسْتِبْقَاءِ الْآدَمِيِّ , فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِسْلَامِ لَهَا , مِثْلُهَا مَا لَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ وَنَحْوُهَا عَلَى إنْسَانٍ وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِكَسْرِهَا. أَمَّا إنْ كَانَ الصَّائِلُ مُسْلِمًا غَيْرَ مَهْدُورِ الدَّمِ فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ فِي الْأَظْهَرِ , بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ , سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِلُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا , وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ , بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَنُّ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ {لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: كُنْ كَابْنِ آدَمَ} يَعْنِي هَابِيلَ - وَلِمَا وَرَدَ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: خَرَجْت بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ , فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْت: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ , فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ} وَلِأَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ إمْكَانِهِ , وَمَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ نَفْسَهُ , وَمَنَعَ حُرَّاسَهُ مِنْ الدِّفَاعِ عَنْهُ - وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ يَوْمَ
(1) الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 10003) -