فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 231

أَئِمَّتَنَا أَهْدَرُوا دَمَ الصَّائِلِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَأَبَاحُوا لِلْمَصُولِ عَلَيْهِ تَارَةً وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ أُخْرَى أَنْ يَدْفَعَهُ وَإِذَا دَفَعَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ , فَلَا يَنْتَقِلُ لِرُتْبَةٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّ مَا دُونَهَا كَافٍ , فَإِذَا أَفْضَى دَفْعُهُ حِينَئِذٍ إلَى قَتْلِهِ كَانَ مُهْدَرًا لَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ , فَإِهْدَارُهُ صَرِيحٌ ظَاهِرٌ فِي فِسْقِهِ ; لِأَنَّ صِيَالَهُ إذَا كَانَ مُهْدَرًا لِدَمِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُفَسِّقًا لَهُ , وَهَذَا لَوْ لَمْ تَرِدْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ بِهَذَا فَكَيْفَ وَقَدْ وَرَدَتْ. ثُمَّ رَأَيْت مَا هُوَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ خَبَرُ مُسْلِمٍ: {يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ فَلَا تُعْطِهِ مَالَك , قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ , قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ فَأَنْتَ شَهِيدٌ قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلْته؟ قَالَ هُوَ فِي النَّارِ} . وَرَوَى النَّسَائِيُّ: {يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي؟ قَالَ: فَانْشُدْ بِاَللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ , قَالَ: فَأَنْشِدْ بِاَللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ , قَالَ: فَأَنْشِدْ بِاَللَّهِ , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ قَالَ: فَقَاتِلْ فَإِنْ قُتِلْت فَفِي الْجَنَّةِ وَإِنْ قَتَلْت فَفِي النَّارِ} . وَصَحَّ: {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ صَرَّحَ فِي الْأَخِيرَةِ بِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ فَقَالَ: وَأَنْ يُشِيرَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ أَوْ سِلَاحٍ مُرَوِّعًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْته.

وقال الشوكاني في النيل [1] :

وَأَحَادِيثُ الْبَابِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ مُقَاتَلَةُ مَنْ أَرَادَ أَخْذَ مَالِ إنْسَانٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إذَا كَانَ الْأَخْذُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْمُقَاتَلَةَ وَاجِبَةٌ وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لَا تَجُوزُ إذَا طَلَبَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ , وَلَعَلَّ مُتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمُقَاتَلَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَالِ إلَى مَنْ رَامَ غَصْبَهُ وَأَمَّا الْقَائِلُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي الشَّيْءِ الْخَفِيفِ , فَعُمُومُ أَحَادِيثِ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ , فَلَا يَعْدِلُ الْمُدَافِعُ إلَى الْقَتْلِ مَعَ إمْكَانِ الدَّفْعِ بِدُونِهِ , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم بِإِنْشَادِ اللَّهِ قَبْلَ الْمُقَاتَلَةِ , وَكَمَا تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى جَوَازِ الْمُقَاتَلَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَخْذَ الْمَالِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُقَاتَلَةِ لِمَنْ أَرَادَ إرَاقَةَ الدَّمِ وَالْفِتْنَةَ فِي الدِّينِ وَالْأَهْلِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ أَوْ نَفْسُهُ أَوْ حَرِيمُهُ فَلَهُ الْمُقَاتَلَةُ , وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذُكِرَ إذَا أُرِيدَ ظُلْمًا بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ , إلَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ انْتَهَى وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ فِي قَتْلِ مَنْ كَانَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا ذَكَرنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَمَلَ الْأَوْزَاعِيُّ أَحَادِيثَ الْبَابِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا إمَامٌ وَأَمَّا حَالَةُ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ فَلِيَسْتَسْلِمْ الْمَبْغِيُّ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَلَا يُقَاتِلْ أَحَدًا قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ

(1) نيل الأوطار - (ج 9 / ص 144) -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت