، وامنع من قبلك من محادثتهم وليكن أنت الذى تلى كلامهم، واستر في عسكرك الأخبار، واصدق الله إذا لقيت، ولا تجبن فيجبن سواك.
ومع هذه الاحتياطات للأسرار بين عقوبة من يفشيها، فإلى جانب أنه خائن للأمانة التى استودعها، غادر بالعهد الذى أخذ عليه أن يصون السر، اختلف الفقهاء في قتله وبخاصة إذا اتخذ ذلك حرفة يعرف منها بأنه جاسوس، وذلك بناء على ما حدث من حاطب بن أبى بلتعة حين أرسل خطابا إلى أهل مكة بتوجه النبى صلى الله عليه و سلم إليهم لفتحها، وشاء الله أن يضبط هذا الخطاب مع المرأة التى حملته، وقد اعتذر حاطب بأنه لم يرسله كفرا بالله ولا ردة عن الإسلام ولكن ليحمى أهله حيث لا نسب له في مكة يحميهم كما يحمى غيرهم، وحين هَم عمر بقتله منعه الرسول، لأنه شهد بدرا، ولعل الله قال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وحيث لا يوجد للجاسوس ما يوجد لحاطب من هذه المنقبة ذكر القرطبى في تفسيره أن من نقل أخبار المسلمين إلى العدو ولم يستحل ذلك لم يكفر، ويترك أمره إلى الإمام ليعاقبه بما يراه، كما قال مالك وابن القاسم وأشهب، وقال عبد الملك إذا كانت عادته تلك قتل لأنه جاسوس، ولإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض، كالذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا، وعلى هذا الرأى بعض أصحاب أحمد وابن القيم، والأحناف أجازوا قتله سياسة، كما جاء في بعض كتبهم جواز قتل كل من يؤذى المسلمين ولا يرتدع إلا بقتله
وفي الموسوعة الفقهية:
التَّجَسُّسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ:
6 -الْجَاسُوسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ , وَقَدْ أَجَابَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ سُؤَالِ هَارُونَ الرَّشِيدِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ فِيهِمْ فَقَالَ: وَسَأَلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْجَوَاسِيسِ يُوجَدُونَ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِمَّنْ يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ , وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَعْرُوفِينَ فَأَوْجِعْهُمْ عُقُوبَةً , وَأَطِلْ حَبْسَهُمْ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً. وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا - مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ - عَيْنًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَكْتُبُ إلَيْهِمْ بِعَوْرَاتِهِمْ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ طَوْعًا فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ , وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يُوجِعُهُ عُقُوبَةً. ثُمَّ قَالَ: إنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَقِيقَةً , وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَا بِهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَتْرُكْ مَا بِهِ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ , وَلِأَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مَا فَعَلَ الطَّمَعُ , لَا خُبْثُ الِاعْتِقَادِ , وَهَذَا أَحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ , وَبِهِ أُمِرْنَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ , فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى قُرَيْشٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَغْزُوكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ , فَأَرَادَ عُمَرُ رضي الله عنه قَتْلَهُ , فَقَالَ الرَّسُولُ لِعُمَرَ: مَهْلًا يَا عُمَرُ , فَلَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ