فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 231

والقرآن الكريم يؤكد هذا التصور ويكرره ليتصل ركب المؤمنين، فلا يشعر بالغربة أو الوحشة سالك ولو كان وحده في جيل! ولا يجد مشقة في تكليف نهض به السالكون معه في الطريق!

بعدئذ يعود فينسم على هذه القلوب التي يعلم الله ما بها من حنين ورغبة في زوال حالة العداء والجفوة التي تكلفهم هذه المشقة. ينسم عليها بنسمة الأمل الندية في أن ينضم هؤلاء الأعداء إلى راية الإسلام، وإلى صفوف المسلمين؛ فيكون هذا هو الطريق لزوال الجفوة وقيام الود على أساسه الركين. . ثم يخفف عنهم مرة أخرى وهو يضع القاعدة الإسلامية الكبرى في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم، فيجعل المقاطعة والخصومة خاصة بحالة العداء والعدوان.

وهذا نصه:

فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِى قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَىَّ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ» . قَالَ فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَىْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - «فَأَجِزْهُ لِى» . قَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ. قَالَ «بَلَى، فَافْعَلْ» . قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ أَىْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِى اللَّهِ. أخرجه البخاري مطولا برقم (2529)

قال الحافظ في الفتح [1] :

قَوْله: (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَل) بِالْجِيمِ وَالنُّون وَزْن جَعْفَر، وَكَانَ اِسْمه الْعَاصِي فَتَرَكَهُ لَمَّا أَسْلَمَ، وَلَهُ أَخ اِسْمه عَبْد اللَّه أَسْلَمَ أَيْضًا قَدِيمًا وَحَضَرَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بَدْرًا فَفَرَّ مِنْهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ كَانَ مَعَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُمَا وَاحِدًا. وَقَدْ اُسْتُشْهِدَ عَبْد اللَّه بِالْيَمَامَةِ قَبْل أَبِي جَنْدَل بِمُدَّةٍ، وَأَمَّا أَبُو جَنْدَل فَكَانَ حُبِسَ بِمَكَّة وَمُنِعَ مِنْ الْهِجْرَة وَعُذِّبَ بِسَبَبِ الْإِسْلَام كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب. وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق"فَإِنَّ الصَّحِيفَة لَتَكْتُب إِذْ طَلَعَ أَبُو جَنْدَل بْن سُهَيْل، وَكَانَ أَبُوهُ حَبَسَهُ فَأَفْلَتَ"وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة"وَكَانَ سُهَيْل أَوْثَقَهُ وَسَجَنَهُ حِين أَسْلَمَ، فَخَرَجَ مِنْ السِّجْن وَتَنَكَّبَ الطَّرِيق وَرَكِبَ الْجِبَال حَتَّى هَبَطَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَفَرِحَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَتَلْقَوْهُ"

قَوْله: (يَرْسُف) بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْمُهْمَلَة وَبِالْفَاءِ أَيْ يَمْشِي مَشْيًا بَطِيئًا بِسَبَبِ الْقَيْد.

(1) - فتح الباري لابن حجر - (ج 8 / ص 283)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت