فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها {ذَلِكَ} أي: الرد إلى الله ورسوله {خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلا} فإن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم.
وفي مسند أحمد (1098) عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» وهو صحيح مشهور
و عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُضَيِّعُونَ السُّنَّةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا قَالَ كَيْفَ تَامُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «تَسْأَلُنِي ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيْفَ تَفْعَلُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» أخرجه أحمد (3879) بإسناد صحيح
وفي صحيح البخاري (4085) ومسلم (1840) عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ
قال الإمام النووي رحمه الله [1] :
هَذَا مُوَافِق لِلْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَة أَنَّهُ لَا طَاعَة فِي مَعْصِيَة، إِنَّمَا هِيَ فِي الْمَعْرُوف، وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ هَذَا الْأَمِير قِيلَ: أَرَادَ اِمْتِحَانهمْ، وَقِيلَ: كَانَ مَازِحًا، قِيلَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُل عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة السَّهْمِيّ، وَهَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا: إِنَّهُ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْره.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) هَذَا مِمَّا عَلِمَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ، وَهَذَا التَّقْيِيد بِيَوْمِ الْقِيَامَة مُبَيِّن لِلرِّوَايَةِ الْمُطْلَقَة بِأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا لَوْ دَخَلُوهَا
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله [2] :
قَوْله: (مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) فِي رِوَايَة حَفْص"مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا"وَفِي رِوَايَة زُبَيْد"فَلَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة"يَعْنِي أَنَّ الدُّخُول فِيهَا مَعْصِيَة، وَالْعَاصِي يَسْتَحِقّ النَّار. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لَوْ دَخَلُوهَا مُسْتَحِلِّينَ لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا. وَعَلَى هَذَا فَفِي الْعِبَارَة نَوْع مِنْ أَنْوَاع الْبَدِيع وَهُوَ الِاسْتِخْدَام، لِأَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله:"لَوْ دَخَلُوهَا"لِلنَّارِ الَّتِي أَوْقَدُوهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله:"مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا"لِنَارِ الْآخِرَة، لِأَنَّهُمْ اِرْتَكَبُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ قَتْل أَنْفُسهمْ. وَيُحْتَمَل وَهُوَ الظَّاهِر أَنَّ الضَّمِير
(1) - شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 312)
(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 12 / ص 151)