فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 231

فقال المالكيّة والشّافعيّة: يجب على الإمام إقامة الحدّ عليه، لأنّ إقامة الحدود فرض كالصّلاة، والصّوم، والزّكاة، ولا تسقط دار الحرب عنه شيئًا من ذلك.

وإذا قتل مسلم مسلمًا في دار الحرب يستوفي منه القصاص، ويكون الحكم كما لو كانوا في دار الإسلام.

وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يقام عليه الحدّ، ولو بعد رجوعه إلى دار الإسلام لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تقام الحدود في دار الحرب» .

وقوله: «من زنى أو سرق في دار الحرب وأصاب بها حدًّا ثمّ هرب فخرج إلينا فإنّه لا يقام عليه الحدّ واللّه أعلم به» ولأنّ الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية، ولا يقام عليه بعد الرّجوع إلى دار الإسلام، لأنّ الفعل لم يقع موجبًا أصلًا، وكذلك إذا قتل مسلمًا فيها لا يؤخذ بالقصاص وإن كان القتل عمدًا لتعذّر الاستيفاء، ولأنّ كونه في دار الحرب أورث شبهةً في الوجوب، والقصاص لا يجب مع الشّبهة، ويضمن الدّية وتكون في ماله لا على العاقلة، لأنّ الدّية تجب على القاتل ابتداءً، ثمّ العاقلة تتحمّل عنه لما بينهم من التّناصر، ولا تناصر عند اختلاف الدّار.

وقال الحنابلة أيضًا: تجب الحدود والقصاص، ولكنّها لا تقام في دار الحرب، وتقام عليه بعد رجوعه من دار الحرب.

واستدلّوا بما رواه سعيد في سننه، أنّ عمر رضي الله عنه كتب إلى النّاس لا يجلدنّ أمير جيش ولا سريّة رجلًا من المسلمين حدًّا وهو غاز حتّى يقطع الدّرب قافلًا لئلاّ يلحقه حميّة الشّيطان، فيلحق، بالكفّار.

وهؤلاء الطغاة يسلِّمونهم لعدوهم وعدو الله تعالى

قال تعالى محذرا لنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) } [الممتحنة/1 - 5]

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله [1] :

(1) - في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 228) فما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت