فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 231

» ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة، وبآصرة الحب. وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. فبذلوا جميعًا أقصى كفاياتهم، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم، وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعًا على قدم المساواة، وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق.

وهذا ما لم يجتمع قط لأى تجمع آخر على مدار التاريخ!

«لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلًا. فقد جمعت بالفعل أجناسًا متعددة، ولغات متعددة، وألوانًا متعددة، وأمزجة متعددة. ولكن هذا كله لم يقم على» آصرة إنسانية «ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة. . لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية؛ وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني بصفة عامة وعبودية سائر الأجناس الأخرى. ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي؛ ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي.»

«كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى. . تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلًا. . ولكنه كان كالتجمع الروماني، الذي هو وريثه! تجمعًا قوميًا استغلاليًا، يقوم على أساس سيادة القومية الانجليزية، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية. . ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها. . الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية في وقت ما، والإمبراطورية الفرنسية. . كلها في ذلك المستوى الهابط البشع المقيت! وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعًا من نوع آخر، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون. ولكنها لم تقمه على قاعدة» إنسانية «عامة، إنما أقامته على القاعدة» الطبقية «. فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم. . هذا تجمع قاعدة طبقة» الأشراف «وذلك تجمع على قاعدة طبقة» الصعاليك « (البروليتريا) ؛ والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى! وما كان لمثل هذا التجمع الصغير البغيض أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني. . فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها. باعتبار أن» المطالب الأساسية «للإنسان هي» الطعام والمسكن والجنس «وهي مطالب الحيوان الأولية وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام!!»

«لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني. . وما يزال متفردًا. . والذين يعدلون عنه إلى أي منهج آخر، يقوم على أية قاعدة أخرى، من القوم أو الجنس أو الأرض أو الطبقة. . إلى آخر هذا النتن السخيف، هم أعداء» الإنسان «حقًا! هم الذين لا يريدون لهذا الإنسان أن يتفرد في هذا الكون بخصائصه العليا كما فطره الله؛ ولا يريدون لمجتمعه أن ينتفع باقصى كفايات أجناسه وخصائصها وتجاربها في امتزاج وتناسق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت