نستفيد من ذلك أن المرء كلما كبرت وكثرت حسناته .. وكانت له سابقة بلاء في الله .. كلما ينبغي أن تتوسع بحقه ساحة التأويل وإقالة العثرات .. عند ورود الشبهات، وحصول الكبوات .. والله تعالى أعلم.
5 -أن فعل الوشاية الذي أقدم عليه حاطب لم يكن فعلًا ملازمًا له .. فهو لم يفعل ذلك إلا مرة واحدة في حياته، ولأسباب تقدم ذكرها .. وهذا بخلاف ما عليه الجاسوس فإن التجسس صفة لازمة له على مدار الوقت .. لا هم له إلا كيف يتحصل على المعلومات لكي يرسلها إلى موفديه أو من يتعامل معهم .. !
فهناك فرق بين من يقع في الخطأ مرة .. وبين من يقع في الخطأ مرارًا من حيث دلالته على صفة وحقيقة فاعله.
لذا من الخطأ الفادح أن يُحمل على حاطب حكم ووصف الجاسوس الآنف الذكر .. والله تعالى أعلم.
وبعد، لأجل هذه الأسباب مجتمعة أفدنا في أول حديثنا أن فعل حاطب يُعتبر من الكفر، ومن الموالاة الكبرى، إلا أن حاطبًا لم يكفر بعينه .. ولا يجوز أن يُحمل عليه حكم الكفر، والله تعالى أعلم.
كلمة أخيرة: إلى أولئك الذين هان عليهم دينهم، وسهل عليهم التجسس على المسلمين لصالح الطواغيت باسم الدين، متذرعين بفتاوى بعض المضللين المشبوهين ممن ظاهرهم العلم .. مقابل مبلغ زهيد يعطونه على كل تقرير يكتبونه إلى مخابرات الطواغيت .. لا يحسب هؤلاء أنهم على خير، أو أنهم على شيء .. وليتذكروا أن لهم يومًا سيسألون فيه عما يفعلون .. وينتصف الله تعالى منهم لعباده المظلومين.
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسم- أنه قال:"من أعان ظالمًا بباطل ليدحض بباطله حقًا فقد برئ من ذمة الله -عز وجل- وذمة رسوله" [7] .
فكيف بمن يعين الطواغيت الظالمين على اعتقال المسلمين الموحدين وقتلهم، وانتهاك حرماتهم .. ؟!
فكم من تقرير ظالم كتبه مخبر حقير أدى إلى اعتقال عشرات من الشباب المسلم الموحد ـ لعشرات السنين ـ في أقبية وزنازين الطواغيت .. إن لم يكن سببًا في قتلهم وإعدامهم .. !
وفي صحيح مسلم وغيره:"المؤمن من أمنه المسلمون على أنفسهم وأموالهم .. والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
فالذي لا يأمنه المسلمون على أنفسهم .. ولا يسلمون من شر يده ولسانه .. فهو بنص الحديث ليس من المؤمنين ولا المسلمين.
فاتق الله يا عبد الله .. واحذر أن تكون ممن يتجسسون لصالح الطواغيت الظالمين .. أو يجادلون عنهم .. أو يُقاتلون دونهم .. فتهلك وتخسر دنياك وآخرتك.
اللهم إنا قد بلغنا ونصحنا .. فاشهد.
وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.