ويلقي بعضهم تبعة ما هم فيه على بعض: {يرجع بعضهم إلى بعض القول} . . فماذا يرجعون من القول؟
{يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنا مؤمنين} . .
فيلقون على الذين استكبروا تبعة الوقفة المرهوبة المهينة، وما يتوقعون بعدها من البلاء! يقولون لهم هذه القولة الجاهرة اليوم؛ ولم يكونوا في الدنيا بقادرين على مواجهتهم هذه المواجهة. كان يمنعهم الذل والضعف والاستسلام، وبيع الحرية التي وهبها الله لهم، والكرامة التي منحها إياهم، والإدراك الذي أنعم به عليهم. أما اليوم وقد سقطت القيم الزائفة، وواجهوا العذاب الأليم، فهم يقولونها غير خائفين ولا مبقين! {لولا أنتم لكنا مؤمنين} !
ويضيق الذين استكبروا بالذين استضعفوا. فهم في البلاء سواء. وهؤلاء الضعفاء يريدون أن يحملوهم تبعة الإغواء الذي صار بهم إلى هذا البلاء! وعندئذ يردون عليهم باستنكار، ويجبهونهم بالسب الغليظ: {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين} !
فهو التخلي عن التبعة، والإقرار بالهدى، وقد كانوا في الدنيا لا يقيمون وزنًا للمستضعفين ولا يأخذون منهم رأيًا، ولا يعتبرون لهم وجودًا، ولا يقبلون منهم مخالفة ولا مناقشة! أما اليوم وأمام العذاب فهم يسألونهم في إنكار: {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟} .
{بل كنتم مجرمين} . . من ذات أنفسكم، لا تهتدون، لأنكم مجرمون!
ولو كانوا في الدنيا لقبع المستضعفون لا ينبسون ببنت شفة. ولكنهم في الآخرة حيث تسقط الهالات الكاذبة والقيم الزائفة؛ وتتفتح العيون المغلقة وتظهر الحقائق المستورة. ومن ثم لا يسكت المستضعفون ولا يخنعون، بل يجبهون المستكبرين بمكرهم الذي لم يكن يفتر نهارًا ولا ليلًا للصد عن الهدى؛ وللتمكين للباطل، ولتلبيس الحق، وللأمر بالمنكر، ولاستخدام النفوذ والسلطان في التضليل والإغواء: {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار، إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا} . .
ثم يدرك هؤلاء وهؤلاء أن هذا الحوار البائس لا ينفع هؤلاء ولا هؤلاء، ولا ينجي المستكبرين ولا المستضعفين. فلكل جريمته وإثمه. المستكبرون عليهم وزرهم، وعليهم تبعة إضلال الآخرين وإغوائهم. والمستضعفون عليهم وزرهم، فهم مسؤولون عن اتباعهم للطغاة، لا يعفيهم أنهم كانوا مستضعفين. لقد كرمهم الله بالإدراك والحرية، فعطلوا الإدراك وباعوا الحرية؛ ورضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيولًا؛ وقبلوا لأنفسهم أن يكونوا مستذلين. فاستحقوا العذاب جميعًا؛ وأصابهم الكمد والحسرة وهم يرون العذاب حاضرًا لهم مهيأ:
{وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} . .