فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 231

شتى؛ وأشخاص شتى؛ واعتبارات شتى، ومخاوف شتى. ولم يعصمها شيء من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل اعتبار. .

وإنه إما عبودية لله كلها استعلاء وعزة وانطلاق. وإما عبودية لعباد الله كلها استخذاء وذلة وأغلال. . ولمن شاء أن يختار. .

وما يستعز المؤمن بغير الله وهو مؤمن. وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله. وما أحوج ناسًا ممن يدعون الإسلام؛ ويتسمون بأسماء المسلمين، وهم يستعينون بأعدى أعداء الله في الأرض، أن يتدبروا هذا القرآن. . إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين. . وإلا فإن الله غني عن العالمين! (في ظلال القرآن)

وقال تعالى في سورة يوسف «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ {110} »

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى [1] :

إن النظر في آثار الغابرين يهز القلوب. حتى قلوب المتجبرين. ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم؛ وتصورهم أحياء يروحون في هذه الأمكنة ويجيئون، يخافون ويرجون، يطمعون ويتطلعون. . ثم إذا هم ساكنون، لا حس ولا حركة. آثارهم خاوية، طواهم الفناء وانطوت معهم مشاعرهم وعوالمهم وأفكارهم وحركاتهم وسكناتهم، ودنياهم الماثلة للعيان والمستكنة في الضمائر والمشاعر. . إن هذه التأملات لتهز القلب البشري هزًا مهما يكن جاسيًا غافلًا قاسيًا. ومن ثم يأخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين:

{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى} . .

لم يكونوا ملائكة ولا خلقًا آخر. إنما كانوا بشرًا مثلك من أهل القرى الحاضرة، لا من أهل البادية، ليكونوا أرق حاشية وألين جانبًا. . وأصبر على احتمال تكاليف الدعوة والهداية، فرسالتك ماضية على سنة الله في إرسال رجال من البشر نوحي إليهم. .

{أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} . .

فيدركوا أن مصيرهم كمصيرهم؛ وأن سنة الله الواضحة الآثار في آثار الغابرين ستنالهم؛ وأن عاقبتهم في هذه الأرض إلى ذهاب: {ولدار الآخرة خير للذين اتقوا} .

خير من هذه الدار التي ليس فيها قرار.

{أفلا تعقلون؟} . .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 347)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت