يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. .
إن اختيار الله للعصبة المؤمنة، لتكون أداة القدر الإلهي في إقرار دين الله في الأرض، وتمكين سلطانه في حياة البشر، وتحكيم منهجه في أوضاعهم وأنظمتهم، وتنفيذ شريعته في أقضيتهم وأحوالهم، وتحقيق الصلاح والخير والطهارة والنماء في الأرض بذلك المنهج وبهذه الشريعة. . إن هذا الاختيار للنهوض بهذا الأمر هو مجرد فضل الله ومنته. فمن شاء أن يرفض هذا الفضل وأن يحرم نفسه هذه المنة. . فهو وذاك، والله غنى عنه - وعن العالمين. والله يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم.
والصورة التي يرسمها للعصبة المختارة هنا، صورة واضحة السمات قوية الملامح، وضيئة جذابة حبيبة للقلوب: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. .
فالحب والرضى المتبادل هو الصلة بينهم وبين ربهم. . الحب. . هذا الروح الساري اللطيف الرفاف المشرق الرائق البشوش. . هو الذي يربط القوم بربهم الودود.
وحب الله لعبد من عبيده، أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله - سبحانه - بصفاته كما وصف نفسه، وإلا من وجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها. . أجل لا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي. . الذي يعرف من هو الله. . من هو صانع هذا الكون الهائل، وصانع الإنسان الذي يلخص الكون وهو جرم صغير! من هو في عظمته. ومن هو في قدرته. ومن هو في تفرده. ومن هو في ملكوته. . من هو ومن هذا العبد الذي يتفضل الله عليه منه بالحب. . والعبد من صنع يديه - سبحانه - وهو الجليل العظيم، الحي الدائم، الأزلى الأبدي، الأول والآخر والظاهر والباطن.
وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها. . وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما، وفضلا غامرا جزيلا، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد، الذي الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه. . هو إنعام هائل عظيم. . وفضل غامر جزيل.
وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا فوق التعبير أن يصفه، فإن حب العبد لربه أمر قلما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين. . وهذا هو الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل - ولا زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد، وهي تقول:
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب