فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 231

الْمَصِيرُ إلَى الْكُفْرِ الْحَقِيقِيِّ وَالِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِسْلَامِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إظْهَارُ الْكُفْرِ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ يُتْرَكُ بَعْدَ ذَلِكَ , أَمَّا إنْ كَانَ مَآلُهُ الِالْتِزَامُ بِالْإِقَامَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْكُفَّارِ يُجْرُونَ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْكُفْرِ وَيَمْنَعُونَهُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى إظْهَارِ الْكُفْرِ. وَحِينَئِذٍ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ إلَى حَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ الْإِقَامَةُ الْمَذْكُورَةُ بِعُذْرِ التَّقِيَّةِ. 20 - د - وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ التَّقِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُكَلَّفِ مُخَلِّصٌ مِنْ الْأَذَى إلَّا بِالتَّقِيَّةِ , وَهَذَا الْمُخَلِّصُ قَدْ يَكُونُ الْهَرَبُ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ أَوْ الضَّرْبِ , وَقَدْ يَكُونُ التَّوْرِيَةُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الطَّلَاقِ , وَعَدَمِ الدَّهْشَةِ وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ , وَقَدْ تَكُونُ الْهِجْرَةُ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ أَمْكَنَتْهُ الْهِجْرَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُوَالَاةُ الْكُفَّارِ وَتَرْكُ إظْهَارِ دِينِهِ لقوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} قَالَ الْأَلُوسِيُّ: اعْتَذَرُوا عَنْ تَقْصِيرِهِمْ فِي إظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ إدْخَالِهِمْ الْخَلَلَ فِيهِ وَعَنْ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِ الدِّينِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ , وَأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَارِهِينَ. فَلَمْ تَقْبَلْ الْمَلَائِكَةُ عُذْرَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ , فَاسْتَحَقُّوا عَذَابَ جَهَنَّمَ لِتَرْكِهِمْ الْفَرِيضَةَ الْمَحْتُومَةَ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَقْهُورًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ حَقِيقَةً لِضَعْفِهِ أَوْ لِصِغَرِ سِنِّهِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلًا أَمْ امْرَأَةً بِحَيْثُ يَخْشَى التَّلَفَ لَوْ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَذَلِكَ عُذْرٌ فِي الْإِقَامَةِ وَتَرْكِ الْهِجْرَةِ. وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى الْآيَتَانِ التَّالِيَتَانِ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ وَهُمَا {إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} وَقَالَ الْأَلُوسِيُّ أَيْضًا"كُلُّ مُؤْمِنٍ وَقَعَ فِي مَحَلٍّ لَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ لِتَعَرُّضِ الْمُخَالِفِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إلَى مَحَلٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ , وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَصْلًا أَنْ يَبْقَى هُنَاكَ وَيُخْفِيَ دِينَهُ وَيَتَشَبَّثَ بِعُذْرِ الِاسْتِضْعَافِ , فَإِنَّ أَرْضَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ. نَعَمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ فِي تَرْكِ الْهِجْرَةِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعُمْيَانِ وَالْمَحْبُوسِينَ وَاَلَّذِينَ يُخَوِّفُهُمْ الْمُخَالِفُونَ بِالْقَتْلِ أَوْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ أَوْ الْآبَاءِ أَوْ الْأُمَّهَاتِ تَخْوِيفًا يُظَنُّ مَعَهُ إيقَاعُ مَا خُوِّفُوا بِهِ غَالِبًا , سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْقَتْلُ بِضَرْبِ الْعُنُقِ أَوْ حَبْسِ الْقُوتِ أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمُكْثُ مَعَ الْمُخَالِفِ , وَالْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي الْحِيلَةِ لِلْخُرُوجِ وَالْفِرَارِ بِدِينِهِ. وَإِنْ كَانَ التَّخْوِيفُ بِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ بِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَمُّلُهَا كَالْحَبْسِ مَعَ الْقُوتِ , وَالضَّرْبِ الْقَلِيلِ غَيْرِ الْمُهْلِكِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مُوَافَقَتُهُمْ."

21 -هـ - وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْأَذَى الْمَخُوفُ وُقُوعُهُ مِمَّا يَشُقُّ احْتِمَالُهُ. وَالْأَذَى إمَّا أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عِرْضِهِ. أَوْ فِي الْغَيْرِ , أَوْ تَفْوِيتِ مَنْفَعَةٍ. فَالْأَوَّلُ كَخَوْفِ الْقَتْلِ أَوْ الْجُرْحِ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوْ الْحَرْقِ الْمُؤْلِمِ أَوْ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوْ الْحَبْسِ مَعَ التَّجْوِيعِ وَمَنْعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: أَوْ خَوْفِ صَفْعٍ وَلَوْ قَلِيلًا لِذِي مُرُوءَةٍ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ. أَمَّا التَّجْوِيعُ الْيَسِيرُ وَالْحَبْسُ الْيَسِيرُ وَالضَّرْبُ الْيَسِيرُ فَلَا تَحِلُّ بِهِ التَّقِيَّةُ وَلَا يُجِيزُ إظْهَارَ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ أَوْ ارْتِكَابَ الْمُحَرَّمِ. وَرَخَّصَ الْبَعْضُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت