فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 231

فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً فَنَزَلَ: {وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ} إلَى قوله تعالى {إلَّا مَنْ تَابَ} فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ. وَأَمَّا الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَالرَّجُلُ إذَا عَرَفَ الْإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رضي الله عنه: لَمَّا نَزَلَتْ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: أَيْ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ عَجِبْنَا مِنْ لِينِهَا , فَلَبِثْنَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ نَزَلَتْ الْغَلِيظَةُ: أَيْ آيَةُ النِّسَاءِ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ فَنُسِخَتْ اللَّيِّنَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آيَةُ الْفُرْقَانِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ وَهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ , وَذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ إلَى قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ مُطْلَقًا لقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} وقوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وَأَجَابُوا عَمَّا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ وَالزَّجْرَ وَالتَّنْفِيرَ عَنْ الْقَتْلِ , وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ بِتَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فِي النَّارِ ; لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَاتِلِ كَافِرٍ كَمَا مَرَّ , وَعَلَى التَّنَزُّلِ لِمَا يَاتِي فَهِيَ فِيمَنْ قَتَلَ مُسْتَحِلًّا لِلْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ بِالْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَاسْتِحْلَالُ ذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا مَرَّ أَوَائِلَ الْكِتَابِ: قِيلَ جَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ إلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ فَقَالَ هَلْ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ - تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} إلَخْ فَقَالَ لَهُ مِنْ الْعُجْمَةِ أَتَيْت يَا أَبَا عُثْمَانَ , إنَّ الْعَرَبَ لَا تُعِدُّ الْإِخْلَافَ فِي الْوَعِيدِ خَلْفًا وَذَمًّا وَإِنَّمَا تُعِدُّ إخْلَافَ الْوَعْدِ خَلْفًا وَأَنْشَدَ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْته أَوْ وَعَدْته لَمُخْلِفٌ إيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لَا يُوجِبُ التَّخْلِيدَ فِي النَّارِ - قوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ} الْحَدِيثَ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَايَعَ أَصْحَابَهُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا وَأَشْيَاءَ أُخَرَ , ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ , وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ} . قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَسَلَكَ الْأَصْحَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ طُرُقًا كَثِيرَةً وَلَا أَرْتَضِي شَيْئًا مِنْهَا ; لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إمَّا تَخْصِيصٌ وَإِمَّا مُعَارَضَةٌ وَإِمَّا إضْمَارٌ , وَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , قَالَ: وَاَلَّذِي أَعْتَمِدُهُ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: إجْمَاعُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَافِرٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا ثُمَّ ذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَالثَّانِي: أَنَّ قوله تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} مَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ سَيُجْزَى بِجَهَنَّمَ وَهَذَا وَعِيدٌ وَخَلْفُ الْوَعِيدِ كَرَمٌ. وَضَعَّفَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ أَوَّلَ وَجْهَيْهِ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَبِالْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} - {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} فَكَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْقَطْعِ وَالْجَلْدِ هُوَ السَّرِقَةُ وَالزِّنَا , فَكَذَا هُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لِهَذَا الْوَعِيدِ هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ ; لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ لِلْحُكْمِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِكَوْنِ الْآيَةِ مَخْصُوصَةً بِالْكَافِرِ , وَجْهٌ أَيْضًا , فَالْمُوجِبُ إنْ كَانَ الْكُفْرُ لَمْ يَبْقَ لِلْقَتْلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت