فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 231

شَيْءٌ كَالْفَرَسِ الْجَمُوحِ الَّذِي إذَا حَمَلَ لَا يَرُدُّهُ اللِّجَامُ. وَهَذَا وَصْفٌ مُنْطَبِقٌ عَلَى أَقْوَامٍ كَثِيرِينَ فِي حَادِثَتِنَا وَفِيمَا قَبْلَهَا مِنْ الْحَوَادِثِ وَبَعْدَهَا. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي"سُورَةِ مُحَمَّدٍ"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} أَيْ فَبُعْدًا لَهُمْ {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى. {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فَحَصَرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ آمَنَ وَجَاهَدَ. وَقَالَ تَعَالَى: {لَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} {إنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} . فَهَذَا إخْبَارٌ مِنْ اللَّهِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَاذِنُ الرَّسُولَ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ؛ وَإِنَّمَا يَسْتَاذِنُهُ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ فَكَيْفَ بِالتَّارِكِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَجَدَ نَظَائِرَ هَذَا مُتَضَافِرَةً عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ فِي وَصْفِهِمْ بِالشُّحِّ: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَاتُونَ الصَّلَاةَ إلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} . فَهَذِهِ حَالُ مَنْ أَنْفَقَ كَارِهًا فَكَيْفَ بِمَنْ تَرَكَ النَّفَقَةَ رَاسًا وَقَالَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} وَقَالَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} . وَقَالَ فِي السُّورَةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} . فَانْتَظَمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حَالَ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ بِغَيْرِ حَقِّهِ أَوْ مَنَعَهُ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ الْأَحْبَارَ هُمْ الْعُلَمَاءُ وَالرُّهْبَانُ هُمْ الْعِبَادُ. وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ - أَيْ يُعْرِضُونَ وَيَمْنَعُونَ. يُقَالُ: صَدَّ عَنْ الْحَقِّ صُدُودًا وَصَدَّ غَيْرَهُ صَدًّا. وَهَذَا يَنْدَرِجُ فِيهِ مَا يُؤْكَلُ بِالْبَاطِلِ: مِنْ وَقْفٍ أَوْ عَطِيَّةٍ عَلَى الدِّينِ كَالصَّلَاةِ وَالنُّذُورِ الَّتِي تُنْذِرُ لِأَهْلِ الدِّينِ وَمِنْ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ كَأَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا فِيمَنْ يَاكُلُ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ بِشُبْهَةِ دِينٍ. ثُمَّ قَالَ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فَهَذَا يَنْدَرِجُ فِيهِ مَنْ كَنَزَ الْمَالَ عَنْ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالْجِهَادُ أَحَقُّ الْأَعْمَالِ بِاسْمِ سَبِيلِ اللَّهِ سَوَاءٌ كَانَ مَلِكًا أَوْ مُقَدَّمًا أَوْ غَنِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَإِذَا دَخَلَ فِي هَذَا مَا كُنِزَ مِنْ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ وَالْمَكْسُوبِ فَمَا كُنِزَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا عُمُومُ الْأُمَّةِ - وَمُسْتَحَقُّهَا: مَصَالِحُهُمْ - أَوْلَى وَأَحْرَى.

فَصْلٌ فَإِذَا تَبَيَّنَ بَعْضُ مَعْنَى الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ. فَإِذَا قَرَأَ الْإِنْسَانُ"سُورَةَ الْأَحْزَابِ"وَعَرَفَ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالْمَغَازِي: كَيْفَ كَانَتْ صِفَةُ الْوَاقِعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ ثُمَّ اعْتَبَرَ هَذِهِ الْحَادِثَةَ بِتِلْكَ: وُجِدَ مِصْدَاقُ مَا ذَكَرْنَا. وَأَنَّ النَّاسَ انْقَسَمُوا فِي هَذِهِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت