فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 231

الْفُرْسِ والمستعربة وَالنَّصَارَى وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْخَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ: الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَا. وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَالَطَ قُلُوبَهُمْ مَرَضٌ أَوْ نِفَاقٌ بِأَنْ يُنِيبُوا إلَى رَبِّهِمْ وَيُحْسِنَ ظَنُّهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَتَقْوَى عَزِيمَتُهُمْ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ. فَقَدْ أَرَاهُمْ اللَّهُ مِنْ الْآيَاتِ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَبْصَارِ كَمَا قَالَ: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} . فَإِنَّ اللَّهَ صَرَفَ الْأَحْزَابَ عَامَ الْخَنْدَقِ بِمَا أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِيحِ الصبا: رِيحٌ شَدِيدَةٌ بَارِدَةٌ. وَبِمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ حَتَّى شَتَّتَ شَمْلَهُمْ وَلَمْ يَنَالُوا خَيْرًا. إذْ كَانَ هَمُّهُمْ فَتْحُ الْمَدِينَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَعَلَى الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ كَمَا كَانَ هَمَّ هَذَا الْعَدُوُّ فَتْحَ الشَّامِ وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَى مَنْ بِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَرَدَّهُمْ اللَّهُ بِغَيْظِهِمْ حَيْثُ أَصَابَهُمْ مِنْ الثَّلْجِ الْعَظِيمِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَالرِّيحِ الْعَاصِفِ وَالْجُوعِ الْمُزْعِجِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَكْرَهُ تِلْكَ الثُّلُوجَ وَالْأَمْطَارَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْعَامِ حَتَّى طَلَبُوا الاستصحاء غَيْرَ مَرَّةٍ. وَكُنَّا نَقُولُ لَهُمْ: هَذَا فِيهِ خَيْرَةٌ عَظِيمَةٌ. وَفِيهِ لِلَّهِ حِكْمَةٌ وَسِرٌّ فَلَا تَكْرَهُوهُ. فَكَانَ مِنْ حِكْمَتِهِ: أَنَّهُ فِيمَا قِيلَ: أَصَابَ قازان وَجُنُودَهُ حَتَّى أَهْلَكَهُمْ وَهُوَ كَانَ فِيمَا قِيلَ: سَبَبُ رَحِيلِهِمْ. وَابْتُلِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ لِيَتَبَيَّنَ مَنْ يَصْبِرُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ مِمَّنْ يَفِرُّ عَنْ طَاعَتِهِ وَجِهَادِ عَدُوِّهِ. وَكَانَ مَبْدَأُ رَحِيلِ قازان فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَأَرَاضِي حَلَبَ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ حَادِيَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى يَوْمَ دَخَلَتْ مِصْرَ عَقِيبَ الْعَسْكَرِ وَاجْتَمَعَتْ بِالسُّلْطَانِ وَأُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الِاهْتِمَامِ بِالْجِهَادِ مَا أَلْقَاهُ. فَلَمَّا ثَبَّتَ اللَّهُ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ صَرَفَ الْعَدُوَّ جَزَاءً مِنْهُ وَبَيَانًا أَنَّ النِّيَّةَ الْخَالِصَةَ وَالْهِمَّةَ الصَّادِقَةَ يَنْصُرُ اللَّهُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ الدِّيَارُ. وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الْمَغُولِ وَالْكَرَجِ وَأَلْقَى بَيْنَهُمْ تَبَاغُضًا وَتَعَادِيًا كَمَا أَلْقَى سُبْحَانَهُ عَامَ الْأَحْزَابِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وغطفان وَبَيْنَ الْيَهُودِ. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَغَازِي. فَإِنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ هَذَا الْمَكَانُ لِأَنْ نَصِفَ فِيهِ قِصَّةَ الْخَنْدَقِ. بَلْ مَنْ طَالَعَهَا عَلِمَ صِحَّةَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي. مِثْلَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالزُّهْرِيِّ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَسَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَائِذٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ والواقدي وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ تَبَقَّى بِالشَّامِ مِنْهُمْ بَقَايَا سَارَ إلَيْهِمْ مِنْ عَسْكَرِ دِمَشْقَ أَكْثَرُهُمْ مُضَافًا إلَى عَسْكَرِ حَمَاةَ وَحَلَبَ وَمَا هُنَالِكَ. وَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ بِإِزَائِهِمْ. وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِكَثِيرِ؛ لَكِنْ فِي ضَعْفٍ شَدِيدٍ وَتَقَرَّبُوا إلَى حَمَاةَ وَأَذَلَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَقْدَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَطُّ. وَصَارَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُرِيدُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ فَجَرَتْ مُنَاوَشَاتٌ صِغَارٌ كَمَا جَرَى فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ حَيْثُ قَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيَّ لَمَّا اقْتَحَمَ الْخَنْدَقَ هُوَ وَنَفَرٌ قَلِيلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. كَذَلِكَ صَارَ يَتَقَرَّبُ بَعْضُ الْعَدُوِّ فَيَكْسِرُهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَعَ كَوْنِ الْعَدُوِّ الْمُتَقَرِّبِ أَضْعَافَ مَنْ قَدْ سَرَى إلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَمَا مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مستظهرين عَلَيْهِمْ. وَسَاقَ الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُمْ فِي آخِرِ النَّوْبَاتِ فَلَمْ يُدْرِكُوهُمْ إلَّا عِنْدَ عُبُورِ الْفُرَاتِ. وَبَعْضُهُمْ فِي جَزِيرَةٍ فِيهَا. فَرَأَوْا أَوَائِلَ الْمُسْلِمِينَ فَهَرَبُوا مِنْهُمْ وَخَالَطُوهُمْ؛ وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضَهُمْ. وَقِيلَ: إنَّهُ غَرِقَ بَعْضُهُمْ. وَكَانَ عُبُورُهُمْ وَخُلُوُّ الشَّامِ مِنْهُمْ فِي أَوَائِلِ رَجَبٍ بَعْدَ أَنْ جَرَى - مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت