الله تعالى ذكر في قصة المنافقين فقال: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} ثم قال: {وما هم بمؤمنين} فنفى عنهم الإيمان لأنه لم يكن منهم مع القول التصديق فإذا وجد القول مع التصديق صار مؤمنًا. وقال محمد بن الفضل: سمعت يحيى بن عيسى قال: سمعت مسلم بن سالم يقول: ما يسرني أن ألقى الله تعالى بعمل من مضى وبعمل من بقي وأنا أقول الإيمان يزيد وينقص أو قول أو عمل، والله أعلم.
اختلف الناس في الإيمان. قال بعضهم: هو مخلوق، وقال بعضهم: هو غير مخلوق فأما من قال بأنه مخلوق فقد احتج بأن الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالقلب، والإقرار والتصديق من أفعال العباد لأن الإقرار فعل اللسان والتصديق فعل القلب، والعبد مع جميع أفعاله مخلوق لأن الله تعالى قال: {والله خلقكم وما تعملون} وأما من قال بأنه غير مخلوق فقد احتج بأن الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وقول أشهد أن لا إله إلا الله كلام الله وكلام الله غير مخلوق فمن زعم أنه مخلوق فقد زعم أن القرآن مخلوق. قال الفقيه رحمه الله: فالحاصل أنه لا اختلاف في هذه المسألة لأن من قال إنه مخلوق أراد فعل العبد ولفظ لسانه ولا نأخذ به. ومن قال إنه غير مخلوق أراد به كلمة الشهادة وبه نأخذ، والله أعلم.
الباب الرابع والعشرون بعد المائة: في الكلام في القرآن
(قال الفقيه) رحمه الله تعالى: تكلم الناس في القرآن. قال بعضهم: هو مخلوق وهو مكتوب في المصاحف، وهو قول بشر المريسي وحسين النجار ومن تابعهما. وقال بعضهم: هو غير مخلوق وهو غير مكتوب في المصاحف، وهو قول أبي عبد الله بن كرام والكلابي ومن تابعهما. وقال بعضهم: هو وحيه وتنزيله ولا نقول هو مخلوق ولا غير مخلوق، وهو قول الجهمي ومن تابعه. وقال بعضهم: هو مكتوب في المصاحف وهو غير مخلوق، وهو قول إبراهيم بن يوسف وشقيق الزاهد ومذهب مشايخنا. فأما من قال بأنه مخلوق فلأن الله تعالى قال: {الله خالق كل شيء} وقال: {إنا جعلناه قرآنًا عربيًا} وقال: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} وأما من قال بأنه غير مخلوق فذهب على ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {قرآنًا عربيًا غير ذي عوج} قال غير مخلوق. وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال في قول الله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} قال الخلق هو المخلوق والأمر هو القرآن، وهو غير مخلوق ولا تباين فيه. وروى محمد بن أبي بكر الملائي عن أبي عبد الله محمد بن جعفر عن محمد بن الأزهر قال: سمعت أبا بكر محمد بن عسكر ببغداد يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر بالله، ومن قال باللفظ ووقف فهو جهمي. وروي عن سفيان الثوري أنه قال: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر. وروي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رجلًا سأله عمن قال